لقد غاب عنهم أن نظام الميراث الإسلامي وقد جعل القرابة قاعدة لقسمة التركات، قد دعمها بقاعدة أخرى أكثر عدلا وإنصافا، هي قاعدة حاجة الوارث ومقدار مسؤوليته في مجتمع سوي سليم يدين بالإسلام كلا لا يتجزأ، عقيدة وشريعة ونظام حياة؛ ولئن كان نصيب البنت نصف نصيب أخيها الذكر، فذلك لأن حاجته إلى المال أكثر من حاجتها إليه، ومطالب الحياة وتبعاتها بالنسبة إليه أكثر منها، فهو الذي يتحمل تكاليف زواجه صداقا وإنفاقا على الزوجة والأولاد والوالدين، أما أخته فنفقتها على أبيها ما دامت في بيته، فإذا انتقلت إلى بيت الزوجية أنفق الزوج عليها، وليس عليها نفقة أبنائها في حالي الوفاق مع الزوج أو الشقاق، وهي بذلك مكفولة النفقة في أغلب أحوالها، وذمتها المالية في المعاملات التجارية مستقلة عن الأب والزوج ما دامت رشيدة، وما تستحقه من مهر أو ميراث أو مكاسب تجارية تحتفظ به لنفسها كاملا إلا في حالات الاضطرار، وليس لزوجها منه إلا ما تطيب به نفسها له.
فاذا أضفنا إلى محاباة الشرع لها في هذه القسمة وإعفائها من تحمل التكاليف العائلية محاباة أخرى معنوية، هي تشريفه لها بأن جعلها المقياس الأصل لتحديد نصيب الرجل وقال: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} ولم يقل للأنثى نصف حظ الذكر، تبين لنا مدى التكريم الذي أضفاه الإسلام على المرأة، ومقدار الدرجة التي خصها بها دون الرجل؛ فإن سأل لبيب عن دواعي هذا التكريم لم تغب عنه وهو اللبيب، فالمرأة المسلمة عرض الأمة، ومحضن أبنائها أجنة وأطفالا ورجالا، وهي التي تصوغ المستقبل بما تُنَشِّئ عليه الأبناء وتبني به العقول في الحاضر.
ولئن احتج دعاة الحداثة وأخواتها- العلمانية والشيوعية والإباحية - بضرورات التطور، وسألوا عن رأي الإسلام في كون نساء عصرنا قد اندمجن في مجتمعهن ولسن في حاجة إلى نفقة الأزواج والآباء عليهن، فإن شواهد الأبصار وواقع الأجيال الناشئة أمامنا على التسيب والانحلال واليأس تؤكد كل لحظة فداحة الثمن الذي دفع بالتخلي عن منهج الله للأسرة والمجتمع، والحال أن الإسلام لا يقر غير منهجه، ولا يسأل إلا عن نظام أقامَتْه قيمُه ومبادئه وأحكامه.
لقد بدأ الحق تعالى في هذه الآية الكريمة ببيان ميراث الصلب مقدما على ميراث الأبوين، لأن الفرع مقدم في الإِرث على الأصل، وأبناء الصلب إن كانوا ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كانوا إناثا: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} أي ثلاث نساء أو أكثر، اقتسمن ثلثي التركة بالتساوي: {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} ، فإن لم يترك المتوفى من صلبه إلا بنتا واحدة أخذت نصف الميراث: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} ، وتبقى حالة أخرى لم تذكر في هذه الآية هي حالة