فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 326

اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ أي يفرض عليكم في شأن أولادكم، والدليل على ذلك من قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} الأنعام 151. والخطاب في هذه الأية الكريمة موجه لعموم المؤمنين مباشرين لقسمة التركات أو غير مباشرين، شهودا عليها أو غير شهود، مشرفين على الشأن العام للأمة أو غير مشرفين، وكأنه تعالى يقول لهم"يوصيكم الله في أنفسكم"لأن في حفظ حقوق الورثة وقسمة التركات بالعدل حفظا لأمن المجتمع وتوثيقا لروابط المحبة والأخوة والتعاون والتماسك بين أعضائه، وفي ذلك قوة للأمة كلها ومنعة لها من أي تخريب داخلي أو عدوان خارجي.

كما أن في التعبير بلفظ:"يُوصِيكُمُ"بدل:"يفرض عليكم"إشعارا خفيا منه تعالى بما يوليه عباده من عناية ورأفة، وأنه أرحم بهم من أنفسهم كما قال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} الحج 65، وكما ورد في حديث عمر بن الخطاب قال: (قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ، فإذا امرأة من السبي قد تحَلَّب ثديها تسعى، إذ وجدت صبيا في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم:(أترون هذه طارحة ولدها في النار؟) فقلنا: لا وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: (لله أرحم بعباده من هذه بولدها) .

لقد مهد الحق سبحانه لإعلان فرائض الميراث تمهيدا أقرب إلى القلوب والعواطف النبيلة بقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} ، حتى إذا تاقت الأفئدة لمعرفة هذه الوصية من ربهم واشرأبت إليها الأعناق شرع الوحي في ذكرها مفصلة على الترتيب بقوله تعالى:

{لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} هذه الآية الكريمة والتي بعدها والتي في خاتمة سورة النساء هن جُمَّاع علم الفرائض في القرآن الكريم، تشرحها وتفصل أحكامها السنة النبوية، ويستجلي الاجتهاد الفقهي ما غمض من الأحوال والظروف المصاحبة، وما خفي من أوجه الخلاف والأدلة والمنازعات الطارئة، مما لا يسعه منهج التفسير ويستوعبه علم فروع الفقه والأحكام الشرعية العملية.

ولئن أنكر المجتمع الجاهلي حكم هذه الآية التي أعطت نصيبا للأنثى على غير عادتهم، ثم ما لبثوا بعد أن تشربت قلوبهم حلاوة الإيمان أن أذعنوا للحق واطمأنوا به، فإن الحداثيين والعلمانيين وملاحدة الماركسيين المعاصرين يشنون في كل المنابر التي يشغلونها بدعم داخلي وخارجي حربا لا هوادة لها وهجوما كاسحا على الإسلام والمسلمين في ميراث المرأة، لمجرد إعطاء الرجل ضعفي حظها في القسمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت