على منهج محدد يسير على هديه أخذا وعطاء ومنعا وإنفاقا، فإذا حانت منية المرء خرج من الدنيا صفر اليدين إلا من أجر مال حلال أنفقه في سبيل الله، أو عمل صالح قدمه لآخرته، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) ؛ لذلك دأب القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة على التذكير بهذه الحقيقة، حقيقة ملكية الله للكون وما فيه، وحقيقة خروج الإنسان من الحياة الدنيا بثواب العمل الصالح وحده إن كان له عمل صالح، قال عز وجل: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} الأحقاف 19، وقال صلى الله عليه وسلم: (يقول العبد مالي مالي وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو أعطى فاقتنى [[1] ]وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس) .
إن المرء إذا مات لم يبق له سلطان استخلاف على ما كان بيده من أموال، لأنه أولا انقطع عن الدنيا وأفضى إلى ما قدم من أعمال، ولأن أمواله ثانيا رجعت إلى مالكها الأصلي الذي وضع لتقسيمها بين الأقارب أصولا وفروعا وعصبة منهجا متكاملا يشيع بينهم روح المحبة والتآلف والتعاون والتكافل والعدل، ويكبح جماح الطمع والتظالم والأثرة التي قد تنال من وحدتهم، منهجا سديدا فرض الانقياد له، وأوجب الامتثال لتعاليمه إيجابا لا سبيل للتنصل منه، وقال مقدما له وممهدا لتفصيل أحكامه:
{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} ولفظ"يوصي"لغة من أصل"وَصَى الشيءُ وَصْيا إذا اتصل، ووصَى الشيءَ بالشيء إذا وصله، وأوصاه إيصاء ووصَّاه تَوصية إذا أشار عليه بشيء، وأوصى إليه به إذا عهد إليه به، والوصية والوصاة: ما أوصيتَ به، جمع وصايا، وتكون منك لنفسك ولغيرك فتقول: أوصيت نفسي كما تقول أوصيت غيري، وتكون بالحسن والقبيح لأن المرء قد يوصي الرجل بفعل الحسن ومنه قوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} البقرة 132، كما يحتمل أن يوصي بفعل القبيح ومنه قوله تعالى: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} الذاريات 5، ولذلك نهى الوحي عن الإضرار في الوصية بقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} النساء 12، وأوصيت فلانا بولدي إذا استعطفته عليه بما لا يقتضي الإيجاب، فإن كانت الوصية من الله عز جل أو من رسوله صلى الله عليه وسلم فهي الأمر الواجب العمل به والفرض اللازم الامتثال له، كما في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} العنكبوت 8، وفي حديث مكحول قال: (أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أهلي ألا يشرب الخمر، فإن شربها مفتاح كل شر) . وهو معنى الفرض والإيجاب في قوله عز وجل: يُوصِيكُمُ"
(1) - ادخر ثوابه لآخرته.