فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 326

الأرضين وما أشبه ذلك قال لهم قولا معروفا مثل أن يقول لهم: ارجعوا بارك الله فيكم؛ وثالثها قالوا: مقدار ما يجب فيه الرضخ شيء قليل، ولا تقدير فيه بالإجماع. ورابعها: أن على تقدير وجوب هذا الحكم تكون الآية منسوخة بآية المواريث على قول ابن عباس، وفي رواية عكرمة: أن الآية محكمة غير منسوخة. فهذا كله تفصيل قول من قال بأن هذا الحكم ثبت على سبيل الوجوب، ومنهم من قال: إنه ثبت على سبيل الاستحباب، والاستحباب أيضا إنما يحصل إذا كان الورثة كبارًا، أما إذا كانوا صغارا فليس إلا القول المعروف، وهذا المذهب هو الذي عليه فقهاء الأمصار؛ واحتجوا بأنه لو كان لهؤلاء حق معين لبين الله تعالى قدر ذلك الحق كما في سائر الحقوق، وحيث لم يبين علمنا أنه غير واجب، ولأن ذلك لو كان واجبا لتوفرت الدواعي على نقله لشدة حرص الفقراء والمساكين على تقديره، ولو كان ذلك لنقل على سبيل التواتر، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه غير واجب"."

ولما كان في الورثة غالبا كبار أقوياء قد يستأثرون، وصغار ضعفاء قد يؤثر عليهم فيضيعون، وكان في الحضور أوصياء وأولياء، وأيتام من غير الورثة يرقبون الأموال توزع أمامهم وليس لهم فيها نصيب، فإن الله تعالى خاطب الورثة الكبار والأوصياء والأولياء وشهود القسمة من العقلاء، محذرا من أن يحيفوا على ضعفائهم ظلما أو خذلانا أو تخليا، واستنفر فيهم مكامن الخوف من بلاء الدنيا وفتنها، ومن عقاب الآخرة وشدته.

أما بلاء الدنيا فقال عنه تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} إن عليهم أن يستحضروا في قلوبهم وأذهانهم أن الموت أقرب إليهم من حبل الوريد، وأنهم إن كانوا اليوم يعالجون أمر أيتام غيرهم، فقد يكون أبناؤهم غدا أيتاما ضعافا يعالج أمرهم الأجانب عنهم، والعاقل من يحمله الإشفاق من هذا المصير على البر بأيتام غيره ورحمتهم والإحسان إليهم، قال صلى الله عليه وسلم: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل) ، وقال أبو الدرداء:"البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا ينام فكن كما شئت كما تدين تدان" [[1] {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ} بالإحسان إلى أيتام غيرهم وحفظ حقوقهم والعمل على تربيتهم: {وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} أي: وليخاطبوهم بالكلمة الطيبة والقول السديد والنصيحة الصادقة المثمرة والوجه الطلق، إذ ليس أحسن للمرء من تقوى الله في المستضعفين رصيدا حسنا وكنزا مدخرا للذرية، كي يقيض الله لها من يحسن إليها ويرعاها بعد وفاته كما قيض ليتيمي سورة الكهف عبدين صالحين يحفظان كنزهما، قال تعالى: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا

(1) - روي مرفوعا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الألباني ضعف رفعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت