فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي الكهف 82.
وأما عقاب الآخرة لمن لم يرع حرمة يتيم أو مستضعف، أو ضيع حقه أو اغتصب ماله فقد قال عنه الحق سبحانه تعقيبا وتحذيرا: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} وقد سمى الحق سبحانه المأكول من مال اليتامى نارا باعتبار ما يؤول إليه كما في التنزيل الحكيم: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} يوسف 36، أي عنبا يؤول إلى خمر، كما ذكر الأكل في البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها لغرض التأكيد والمبالغة في التخويف كما في قوله تعالى: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُم} الأحزاب 4، وهي صورة مرعبة رسمها الوحي لمصير آكلي أموال الأيتام ظلما، إنهم في الدنيا كأنما يحشون بطونهم بالنار، فلا تُبارَك لهم أبدان ولا أموال ولا ذرية، وفي الآخرة مصيرهم إلى جهنم تشوي جلودهم ويصهر بها ما في بطونهم، ومال الأيتام يستعر نارا تأجَّجُ في أحشائهم: {كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} الدخان 45/ 46، صورة تدل على مقدار رحمته عز وجل باليتامى وشدة غضبه على من يغمص حقوقهم. ولذلك ورد التحذير من ظلمهم أو أكل أموالهم في آيات كثيرة من القرآن الكريم ونصوص متعددة من السنة النبوية، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} الأنعام 152، وقال: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} الإسراء 34)، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجْتَنبوا السَّبْعَ الموبقات) ، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: (الشِّرْكُ بالله، والسِّحْر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزَّحْفِ، وقَذْفُ المحصنات المؤمنات الغافلات) .
ولقد آتت هذه التحذيرات أكلها وفعلت فعلها في نفوس المسلمين فطهرتها من رواسب الجاهلية وأثَرَتِها وعنجهيتها وجفائها، فكفوا عن كل شبهةِ مسٍّ بأموال اليتامى، مخالطة أو مؤاكلة أو مساكنة، كما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه, فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد؛ فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} البقرة 220، فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.