فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 326

ولما كانت أنصبة الورثة محددةً لا يجوز تغييرها بالزيادة أو النقص، وكانت خاصةً بذوي القربى حسب درجاتهم من المتوفى، ومنهم من يحجبه عن الميراث غيره، والعادة أن يحضر قسمة التركة الأقارب المحجوبون وغير المحجوبين، كما يحضرها المساكين والأيتام أو أولياؤهم، فقد راعى الوحي الكريم هذه الحالة الإنسانية التي يرى فيها الأقارب المحجوبون والمساكين والأيتام قسمة الأموال أمام أعينهم فتستثير في نفوسهم حسرة الشعور بالحرمان والحاجة، وقرر لهم على سبيل الاستحباب عطاء في التركة يحدده الورثة عن طيب نفس وكرم سجية، حفاظا على المودة بين المؤمنين وتوثيقا للروابط القلبية بينهم، وتعميقا لروح التكافل والتراحم في المجتمع فقال:

{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} ولفظ"القسمة"في هذه الآية يعني التركة التى تقسم بين الورثة، أما ذوو القربى فهم الأقارب الذين لا ميراث لهم في التركة، واليتامى والمساكين هم الأجانب الذين لا قرابة بينهم وبين الورثة. وقد قدم الوحي ذوي القربى على اليتامى والمساكين لأنهم أولى بالصدقة لقوله صلى الله عليه وسلم: (الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة) ، وقدم اليتامى على المساكين؛ لأن ضعف اليتامى أكثر، وحاجتهم أشد؛ كما أن حضورهم مجلس القسمة ليس شرطا في إعطائهم بل مجرد علم الذين يقتسمون التركة بهم وبأحوالهم وحاجتهم إلى العون والمساعدة يقتضي أن يخصص لهم نصيب منها وأن يلان لهم القول وألا يخاطبوا بما يغض من قدرهم.

وصيغة الأمر في قوله تعالى: {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} يستفاد من ظاهرها أنها للوجوب، ولكن عدم تحديد مقدار العطاء أثار خلافا بين الفقهاء حول ثبوت هذا الحق على سبيل الندب والاستحباب، أم على سبيل الفرض والإيجاب، رأى بعضهم الوجوب ثم اختلفوا عند تنزيل أحكامه، ورأى غيرهم الندب ثم اختلفوا عند العمل بمقتضاه، وهو ما شرحه الرازي في تفسيره الكبير، قال [[1] ]:"أما القائلون بالوجوب فقد اختلفوا في أمور: أحدها أن منهم من قال: الوارث إن كان كبيرًا وجب عليه أن يرضخ لمن حضر القسمة شيئا من المال بقدر ما تطيب نفسه به، وإن كان صغيرًا وجب على الولي إعطاؤهم من ذلك المال، ومنهم من قال: إن كان الوارث كبيرًا وجب عليه الإعطاء من ذلك المال، وإن كان صغيرًا وجب على الولي أن يعتذر إليهم ويقول: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم، فهذا هو القول المعروف؛ وثانيها قول الحسن والنخعي: هذا الرضخ مختص بقسمة الأعيان، فإذا آل الأمر إلى قسمة"

(1) - التفسير الكبير للرازي باختصار، سورة النساء، الجزء 9 ص:196 الطبعة الثالثة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت