فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 326

عدوان على منهج الإسلام وخلل في العقيدة التي بني عليها، لأنه معروف من الدين بالضرورة، وأما المفروض له فصاحب الحق الذي يدخل ميراثه شرعا في ملكه بدون إذنه وإن انتفى منه، ولو أعرض عنه قبل استحقاقه لم يسقط عنه. والمفروض عليه هم كافة الورثة بصفتهم المباشرين للقسمة، والقضاء الإسلامي بصفته راعي الشريعة والمسؤول عن تطبيقها. أما المفروض فهو الحقوق والأنصبة المقدرة للورثة في تركة المتوفى؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقْسِمِ المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فما تركَتِ الفرائضُ فلِأَوْلَى ذكر) ، ومنه قول عمر:"تعلموا الفرائض فإنها من دينكم"، وكتابته إلى أبي موسى الأشعري:"إن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة"، وقول عبد الله:"تعلموا القرآن والفرائض، فإنه يوشك أن يفتقر الرجل إلى علم كان يعلمه، أو يبقى في قوم لا يعلمون"؛ وكل هذه المعارف هي التي بني عليها علم الفرائض المتضمن لأحكام المواريث، وهو علم قائم بذاته في الفقه الإسلامي، لم يسبق إليه أي تشريع قبله، ولم يبلغ دقته وعدالته أي قانون بعده.

لقد وضعت هذه الآية الكريمة أول لبنات هذا العلم الجليل، الذي يحفظ النسيج الاجتماعي للأمة ويمنعه من التآكل والتفتت والتلاشي، وذلك بإلغائها كل قواعد الإرث الظالمة لدى الجاهلية ووضعها قاعدة صلبة هي آصرة عموم القرابة، نسبا كما في حال الأصول والفروع، وحواشيَ كما في حال العصبة، وصهرا كما في حال الزوجية [[1] ]. وبذلك أضافت إلى العلاقة بين المسلمين قاعدة جديدة للتكافل الإجباري بينهم، هي قاعدة التوارث بين الأقارب، فأصبح بذلك نظام التكافل في الإسلام ذا شقين، شق اختياري كما هو الحال في الصدقات والهبات والقروض الحسنة وغيرها، وشق إجباري كما هو الحال في الزكوات وأحكام التوارث وإعالة القريب المحتاج وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم والتسوية في الحقوق، تحت طائلة نزع القدسية عن الأمة إن هي أخلت بذلك، كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وأقطع الناس الدور، فقال له حي من بني زهرة يقال لهم بنو عبد بن زهرة:"نَكِّبْ عنا ابنَ أمِّ عبد"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَلِمَ ابتعثني الله إذا؟ إن الله عز وجل لا يقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيهم) وفي رواية: (إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي وهو غيرُ مُتَعْتَع) أي: من غير أن يصيبه أذى أو ضرر.

(1) - الولاء بسبب الإعتاق كذلك من أسباب الميراث، لأن الولاء لحمة كلحمة النسب، فمن أعتق شخصا أصبحت بينه وبين من أعتقه قرابة رتب عليها الشرع أنه إذا توفي العتيق ولم يترك وارثا من أقاربه ورثه معتقه أو عصبته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت