في تضاعيف حكم نصيب الرجال بقوله مثلا:"للرجال والنساء نصيب ... الخ"، إيذانٌ منه عز وجل بأصالتهن في استحقاق الإرث وتأكيد لإبطال حكم الجاهلية، وإلغاء لما كانوا يعدونه ميزة للرجل على المرأة.
والمراد من لفظي"الرجال"و"النساء"في هذه الآية عموم الذكور والإناث مطلقا، الكبارُ منهم والصغار سواء، ويعني ذلك أن للذكور حصة مفروضة واجبة معلومة مما تركه الوالدان والأقربون وللإِناث كذلك حصة مفروضة واجبةٌ معلومة مما تركه الوالدان والأقربون.
و"النصيب"لغة من:"نصب الشيء أو العلامة في الطريق"إذا وضعها، وناصبه العداوة إذا أصر على إضمارها له، والنَّصَبُ بالفتح والنُّصُبُ بِضَمَّتَيْنِ: العَلَمُ المَنْصُوبُ يُنْصَبُ للقَوم، وكُلُّ ما عُبِدَ من دون الله تَعالَى نصب، كما في التنزيل الحكيم: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} المعارج 43، أي إلى علم أو صنم منصوب يستبقون. والنصيب الحظ من كل شيء، وأَنْصَبَه جعل له نصِيبا، والجمع أَنْصِباءُ وأَنْصِبةٌ، يقال: لي نصيب منه أي قسم منصوب مشخص وحصة محددة، ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} الشورى 20.
ولئن ورد نصيب الوارث في هذه الآية مجملا فإنه في نفس الوقت مؤكِّد أصالةَ المرأة في الميراث بجانب الرجل، ومُوَطِّئٌ لتفصيل أكثرَ فيما يأتي بعده، وإشارة إلى كونه يختلف باختلافِ وضع المرأة والرجل ومستوى قرابتهما من المتوفى، ومقدارِ مسؤولية كل منهما وواجباته داخل الأسرة الإسلامية؛ وبذلك كانت الآية تمهيدا لما بعدها من أحكام المواريث الجديدة التي شقت على بعض الجِبِلَّات الجاهلية، ثم ركنت إليها النفوس وسكنت لها الأفئدة بالتدريج.
ثم أكد عز وجل هذا النصيب ثانية بقوله: {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ} أي أنه ثابت للنساء والرجال على السواء في تركة المتوفىَّ، ومتعلق بكل جزء منها قليلا كان أو كثيرا.
ثم أكده مرة ثالثة بقوله {نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} والفرض لغة هو القطع والحز في الشيء، من قولك: فرض مسواكه يفرضه فرضا إذا حزه بأسنانه، وفي التنزيل الحكيم: {وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} النساء 118، أى مقتطعا محدودا، وسمي الواجب الشرعي فرضا لأن له معالم وحدودا تبينه وتوضحه، وقوله تعالى: {مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} أي: عطاء مقدرا مقطوعا واجبا ومبينا لا بد من تسليمه كاملا غير منقوص لمن يستحقه.
والتعبير بالنصيب المفروض يقتضي معرفة الفارض والمفروض له والمفروض عليه والمفروض، أما الفارض فهو الله تعالى ولا يجوز مطلقا تغيير ما فرضه في المواريث، كل إنكار لذلك أو محاولة لتغييره