يرثن، ومن ثم كان الرجل منهم يرث زوجة أبيه فيتزوجها أو يزوجها لمن يشاء. أما الأمهات والأخوات وغيرهن من النساء فلم يكن لهن حق في تركة المتوفى.
كل هذه التشريعات المجحفة والأعراف الظالمة ألغاها الإسلام بعد الهجرة، وحرر من ربقتها المستضعفين على مرحلتين كما هي سنته في التدرج والرفق:
أبدلها أول الأمر بالأخوة الإيمانية التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين صحابته، وظل المهاجرون والأنصار فترة يتوارثون بمقتضاها فيما بينهم دون ذوي أرحامهم الكفار، لأنه لا توارث بين مسلم وكافر؛ ويتوارثون كذلك بمقتضى الأحلاف والعهود التي عقدت في الجاهلية وأقر الوفاءَ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ألا تستحدث أخرى غيرها بقوله: (لا حِلْفَ في الإسلام، وكلّ حِلْف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شِدَّة) ، وقوله: (ما كان من حِلْفٍ في الجاهلية فَتَمَسَّكُوا به، ولا حِلْف في الإسلام) ؛ ثم نسخ التوارث بالأخوة الإيمانية والتوارث بالحلف بعد أن أعطى الله لكل ذي حق حقه ونزل قوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ} الأحزاب 6.
وعندما توفي أوس بن ثابت الأنصاري وجاءت زوجته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت:"إنّ زوجي قُتِل معك يوم أُحد وهاتان بنتاه وقد استوفى عمّهما مالَهما فما ترى يا رسول الله؟ فواللَّهِ ما تَنْكحان أبدًا إلاّ ولهما مال"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقضي الله في ذلك) ، فنزلت سورة النساء وفيها: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} النساء 7. قال جابر بن عبد الله: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ادع لي المرأة وصاحبَها) فقال لعمهما (أعطهما الثلثين وأعط أمّهما الثمن وما بقي فلَك) .
وكانت بذلك هذه الآية الكريمة أول تشريع في تاريخ البشرية يعطي المرأة حقها ونصيبها في الإرث بجانب الرجل، ويسويها معه تبعا للتكاليف والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لكل منهما، وكان من حكمة الله تعالى في التربية والإعداد وسنته في التدرج من السهل إلى الصعب ومن اليسير إلى الشاق ومن رديء العادات والتقاليد إلى ما فيه خير المجتمع أن جعل هذه الآية تعقيبا على ما سبقها من تحريج لحق الضعيفين المرأة واليتيم، وجسرا يربط ما سبق بما لحق من التشريعات.
وفي قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} ثم في ذِكْرِه نصيبَ النساء مستقلا ومفصلا في جملة ثانية بقوله: {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} من دون أن يدرجه