فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 326

{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ} والاعتصام بالله بعد الإيمان به هو التمسك بالقرآن والسنة النبوية، منهجا للحياة ومرضاة للرب {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} فستشملهم رحمة الله تعالى وفضله ويأخذ بيدهم إلى طريق الحق وصراطه المستقيم، لا حَقًّا واجبا عليه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يُدْخِل أحدا الجنةَ عملُه) ، قالوا:"ولا أنت يا رسول الله؟"، قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته) .

وما دام محور سورة النساء يدور في مجمله حول حقوق المستضعفين من النساء والرجال والولدان، وقد كان استهلالها باثنتي عشرة آية (من الآية 1 إلى الآية 12) تبين حقوقهم وتحض على رعايتهم وتحرِّم النيل من كرامتهم أو اغتصاب أموالهم أو ابتزازهم بسلب ممتلكاتهم واستباحة أعراضهم، فإن الله تعالى آثر بحكمته أن يكون آخرُ السورة مشاكلا لأولها، وخاتمتُها مكملةً لبعض أحكامها، ومذكرةً في نفس الوقت بمحورها العام الذي هو الوفاء بحقوق المستضعفين، وأن تكون أحكام الكلالة أنسب لخاتمة هذه السورة ولمحورها العام وما يأتي بعدها، لا سيما وقد نزلت في أولها آية ميراث الإخوة لأم، بقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} الآية ... وكان بعض الصحابة قد استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حالات للكلالة لم تتضمن هذه الآية أحكاما لها، وهي حالات ميراث الإخوة والأخوات لأب وأم أو لأب، فنزل قوله عز وجل:

{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

وقد سبق في تفسير الآية الأولى قبلها شرح ألفاظها وأحكامها بما يغني عن إعادة ذلك في هذا السياق، لكن من اللائق التذكير بالمعنى الفقهي للكلالة، وهو أنها اسم يقع على الوارث وعلى الموروث، فإن وقع على الوارث فهو من سوى الوالد والولد، وإن وقع على الموروث فهو الذي مات ولا يرثه أحد الوالدين ولا أحد من الأولاد، وقد سمّى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بآية الصيف لكونها نزلت في الصيف وعُرِفت بذلك، كما عُرفت آية الكلالة التي في أوّل السورة بآية الشتاء لنزولها في الشتاء.

وقد ورد في سبب نزول هذه الآية (آية الصيف) أن جابر بن عبد اللَّه رضي الله تعالى عنه أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو في سفر فقال: إن لي أختًا فكم آخذُ من ميراثها إن ماتت؟ فنزلت أحكام هذه الحالة ومثيلاتها، بقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت