{وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} ومن يستنكف أو يترفع عن عبادته تعالى وحده، فسيحشرهم إليه يوم القيامة مع جميع أهل المحشر، برهم وكافرهم، ويفصل بينهم بعدله الذي لا جور فيه ولا حيف، قال تعالى: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا} الكهف 47/ 48.
ثم بين الحق سبحانه عاقبة الموحدين والمشركين فقال:
{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} فأما المؤمنون باللّه وحده من غير شرك ظاهر أو خفي، الذين يعملون الأعمال الصالحة، فسوف يوفي لهم ربهم ثواب أعمالهم تاما غير منقوص، ويزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه، كما قال ذو الجلال والإكرام: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ} الكهف 26.
{وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} وأما المستكبرون المترفعون عن العبودية لله وحده فجزاؤهم العذاب الأليم الموجع يوم الدين، وفي آية أخرى قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} غافر 60، أي أذلة صاغرين حقيرين، كما كانوا في الحياة مستنكفين مستكبرين.
{وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} ولن يكون لهم يوم العرض على الله ولي يحميهم أو ناصر ينصرهم، قال عز وجل: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} الكهف 27.
ثم تجاوز الحق سبحانه أهل الكتاب يهودا ونصارى في نداء حاسم جازم متجدد للناس جميعا في كل عصر إلى قيام الساعة فقال عز وجل:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} أما البرهان فهو الحجة النَّيِّرة الواضحة التي تعطِي اليقين التَّامَّ وترسم معالم الطريق، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} التوبة 128، وأما النور فهو القرآن الكريم لأن فيه المنهج الإسلامي عقيدة وعبادة وسلوكا ونظام حياة.
ثم أجمل الحق سبحانه محتوى سورة النساء كلها في آية جامعة مانعة بقوله عز وجل: