{وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} كفوا عن التثليث وعن تصوراتكم الضالة في الله بجميع أصنافها، سواء زعمكم أن الله ثالث ثلاثة أب وابن وروح قدس، أو أنه واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم، أو ثلاثة أقانيم كل منها عين الآخر وكل منها إله كامل، ومجموعها إله واحد، أو أنه صفات ثلاثة وهي في حقيقة ما تتصورون ذوات متعددة قائمة بنفسها، لأنكم تُجَوِّزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم. تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.
{انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} توبوا من الشرك ومما نسبتموه إلى الله تعالى ضلالا منكم وفساد اعتقاد، فإن تبتم كانت التوبة خيرا لكم في الدنيا والآخرة.
ثم لما سفه الحق سبحانه تصوراتهم الاعتقادية عقب بتوضيح حقيقة التصور الإيماني الصحيح لله تعالى فقال:
{إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ليس له أجزاء ولا أقانيم، لا هو مركب ولا متحد بأي مخلوق، واحد أحد تنزه عن الشبيه والشريك: {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} الإخلاص 1، {وإلهكم إله وَاحِدٌ} البقرة 163.
{سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} تقدس وتعالى علوا كبيرا عن أن يكون له ولد أو صاحبة كما يقول النصارى وهو غني عن ذلك.
{لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} له الكون كله وما يُوسِعه فيه، خلقا وتدبيرا وتصرفا، ملكه السماوات والأرض يستغرق عيسى وغيره من الكائنات.
{وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} بالله الكفاية لمن عرفه وآمن به، وتوكل عليه، وفوض أمره إليه، واختار منهجه وصراطه المستقيم.
وقد كان نصارى الجزيرة العربية يأنفون من وصف عيسى عليه السلام بكونه عبدا لله، فلما نزل وفد نجران برسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة قالوا له:"لم تعيب صاحبنا؟"قال: (وما صاحبكم؟) قالوا:"عيسى"، قال: (وأي شيء أقول؟) ، قالوا:"تقول إنه عبد الله ورسوله"، قال: (إنه ليس بعار أن يكون عبدًا) قالوا:"بلى". فنزل قوله تعالى:
{لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ} والاستنكاف لغة هو الانقباض من الشيء، والاستكبار والتعظم، والمعنى أن عيسى يعلم أنه عبد لله كما هو حال جميع الكائنات، ولن يأنف ذلك أو ينقبض منه أو يرتفع عنه {وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} وكذلك الملائكة المقربون من الرحمن وهم في أعلى الدرجات كحملة العرش، لا يستنكفون عن ذلك، فكيف بالمسيح؟.