فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 326

بهما من الأحبار والرهبان فادَّعوْا لهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه، حقا كان أو باطلا، ولهذا قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} التوبة 31، على عكس اليهود الذين غلوا في بغضهما ورميهما بالسوء، والفريقان أجرما في حق الله تعالى، سواء من حارب عبده الرسول وقذف أمه وحاول قتله، أو من رفع المخلوق إلى مقام الألوهية ابنا لله أو أقنوما ثالثا منه، أو ما يلجؤون إليه من سفسطة تبريرية لما يقولون، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وهو ما حدث للإمام علي رضي الله عنه إذ كفره الخوارج كرها له، وغالى غيرهم في محبته فجعله بعضهم نبيا أو معصوما وجعله آخرون إلها، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال له: (إن فيك من عيسى مثلا، أبغضته اليهود حتى بهتوا أُمَّهُ، وأحبته النصارى حتى انزلوه المنزل الذي ليس له) . ولذلك نهى الله سبحانه عن الباطل برفع المخاليق إلى درجة الخالق، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى، فإنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا عبد الله ورسوله) .

ثم أمر عز وجل بلزوم الحق الذي هو الاعتدال ووضع كل أمر في ما هو له من دون شطط فقال:

{وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} أي لا تصفوا الله تعالى إلا بصفاته الحقيقية، وهي ما وصف به نفسه في التنزيل الحكيم وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن وصفه بغير ذلك ظلم كبير، سواء لدى من ادعى الحلول والاتحاد في بدن الإنسان أو روحه، أو من زعم لله الولد كما لدى أهل الكتاب يهودا ونصارى، مما أخبر به عز وجل بقوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} التوبة 30، وقوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} المائدة 18.

ثم لما نهاهم رب العزة عن ذلك أرشدهم إلى الصواب من الاعتقاد والتصور والقول فقال:

{إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} فوصف عيسى عليه السلام على سبيل الحصر بخمسة أوصاف لمن أراد معرفة الحق في أمره:

أولها: {الْمَسِيحُ} وهو لقبه في عصره، لِمَا مُسِح به من البركة، إذ كان يمسَح ذا العاهةِ فيبرَأُ.

والثاني: {ابْنُ مَرْيَمَ} نسبه تعالى لأمه، والنسب للأم يكون للجهل بالأب، أو لمفخرة تتميز بها أمه بين قومها، وقد سماه الحق بأمه لأنه خلق من غير أب، ولما تميزت به أمه مريم بين الأنام من آيات لله فيها، وللرد على مفتريات اليهود ومزاعم النصارى فيهما.

والثالث: {رَسُولُ اللَّهِ} وعبده، لأن العبد دائما تحت طاعة سيده يرسله لمن يشاء من عباده، وقد بعث عيسى إلى بني إسرائيل بالإنجيل، وأجرى ربه على يده المعجزات والآيات، قال تعالى: وَرَسُولًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت