للعلم به بداهة، وإن صُرح به في آية أخرى هي قوله تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ} الزمر 7، ثم بين الحق علة غناه بقوله عز وجل: {فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} غني عنكم لأنه يملك السماوات والأرض وما فيهن ممن آمن ومن كفر، كما قال في آية أخرى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} مريم 93، لا يضيع أجر من آمن وأحسن، ولا يعجزه هربا من صد وكفر، {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} يعلم ما يسرون وما يعلنون، يدبر أمرهم ويحصي أعمالهم بما تقتضيه حكمته وعلمه وإحاطته بملكه، يضع الموازين بالقسط، لا يستوي لديه من أطاع ومن عصى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} ص 28.
ولما كان الحق سبحانه قد رد فيما سبق من الآيات على إفراط اليهود وتعنتهم بطلب رؤية الله جهرة، وتفلت قلوبهم على التوحيد بعبادة العجل، وغلوهم في بغض مريم وعيسى عليهما السلام وعدوانهم عليهما بالسوء من القول والفعل، فقد وجه الخطاب بعد ذلك لمعالجة غلو آخر، في طائفة أخرى من أهل الكتاب، هم النصارى لغلوهم في محبة رسولهم عيسى عليه السلام وأمه، برفعهما فوق مستوى بشريتهما وما جعله الله لهما من درجة، فقال عز وجل:
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} وقوله تعالى {تَغْلُوا} من فعل غلا يغلو غلاء فهو غالٍ، ضد رخص، واستعير للمبالغة غير المقبولة في الدين أو في العقل أو في المحبة والمَبْغَضة، أو الخروج عن حد الاعتدال في الأحكام، لأن كل قول أو عمل له وسط هو الصواب بين تفريط وإفراط، وتقصير وغلو، ومنه غلا بسهمه غُلوًّا إذا رماه إلى أبعد ما يمكن، وغلا في الجهل إذا بالغ الخصومة واللفظ السيئ، وغلا في الدين إذا تشدد وجاوز الحد، ومن ذلك قولهم: لا أحبّ الغلو في الدين والغلاء في السعر والغلاء في الرمي، ومنه الحديث (سَدِّدوا وقارِبُوا) أَي اقْتصِدوا في الأمور كلها واتركوا الغُلُوَّ فيها والتقصير، والزموا الاعتدال في أمركم كله، وهو القيام بأمر الدين ما أُمِر به وما نُهِي عنه، في النفس والأهل والمجتمع طبقا لأحكام الكتاب والسنة، والتقصير في ذلك هو التهاون بترك الواجبات وارتكاب المحرمات، ومن الغلو فيه البدع في الاعتقاد والعبادة. والمنهج الإسلامي بفضل الله هو تمام الاعتدال في التصور الإيماني والعبادة والمعاملة، وضع كل أمر في مجاله الطبيعي ومكانه المناسب ومقداره الأوفى.
لقد خوطب بهذه الآية الكريمة نصارى أهل الكتاب، لأنهم غلوا في تمجيد عيسى وأمه مريم عليهما السلام، وبلغوا في ذلك حدا رفعوهما به عن درجة البشرية إلى درجة التأليه، بل غلوا حتى في المؤمنين