أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ الأعراف 172. من ثَم كان الإيمان بالله هو أصل الفطرة، وهو المخزون الأساس في العقل الباطن للإنسان، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه) ، وإنما تكون التوبة لمن تذكر أصل الفطرة واسترجع أول ما أودعه الله تعالى فيها، ومن ذلك أن التعبير القرآني المعجز: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يأتي دائما عقب التلميح إلى ما يحفز الذاكرة - أو العقل الباطن بتعبير علم النفس - لاسترجاع المخزون الأول في الفطرة وهو الإيمان، وإنما تكون الاستجابة بحسب مدى تراكم الانحراف في المرء قلة أو كثرة كثافة أو رهافة، ويهدي الله من يشاء في نهاية المطاف. ولئن عرضنا بعض الآيات التي ختمت بهذه الآية المباركة {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ومنها قوله تعالى:
{وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} البقرة 221، {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} إبراهيم 25، {بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} القصص 43، {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} القصص 46، {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} القصص 51، {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} الزمر 27، {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} الدخان 58. ثم تساءلنا عما ينبغي أن يتذكره الناس في سياق كل هذه الآيات لكان أقرب جواب وأصدقه هو أول ما أُودِع في فطرتهم من الإيمان بالله تعالى. وذلك ما يدعوهم إليه الحق سبحانه كلما ناداهم بقوله عز وجل في العديد من آيات القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} . وهو أيضا ما دعاهم إليه عز وجل في ختام سورة النساء وقد قدمت لهم المنهج الإيماني وحيا وتصورا ونظاما وعدلا ومرحمة بقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ} والآية تأكيد لشهادة الله تعالى في الآيات السابقة بحقيقة المشهود به وهو الحق كتابا وسنة ودعوة، وحقيقة المشهود له بالرسالة وهو الرسول صلى الله عليه وسلم. والتعبير بقوله تعالى: {مِنْ رَبِّكُمْ} مشعر بربوبيته عز وجل للناس جميعا وقيوميته وحسن رعايته لهم وفضله عليهم خلقا ورزقا وهداية وكلاءة. وقد وردت الآية بعد خطاب أهل الكتاب وأهل الشرك كلٍّ على حدة، ثم تلاها توجيه هذا النداء للناس جميعا حجةً لمن يهتدي وحجة على من يصر ويتمادى ويعتدي، ومقدمةً تشد الأنظار والقلوب إلى ما يلقى عليها من قوله تعالى عقب ذلك:
{فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ} أي فآمنوا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم يكن الإيمان خيرا لكم مما أنتم فيه {وَإِنْ تَكْفُرُوا} وإن تصروا على الكفر فإن الله تعالى غني عن إيمانكم، حُذف جواب الشرط