فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 326

(عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) ، ومنها الإنبات والاحتلام، وتزيد المرأة على الرجل بالحيض، وفي بعض ذلك خلاف ليس هذا محله، أما الرشد فهو حالة من النضج العقلي والوعي العملي يكسب القدرة على المحافظة على المال واستثماره والإنفاق منه، وليس بين البلوغ والرشد تلازم، فقد يكون المرء بالغا غير راشد، وقد يكون راشدا غير بالغ، والمرجع في ذلك إلى العرف وعادة المجتمع، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بلفظ"آنس"في قوله تعالى: {فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} .

هذا هو المعنى الذي تتعقبه الآية الكريمة بالشرح والتفصيل، وبمقتضاها إذا بلغ اليتيم راشدا يتسلم ماله من وصيه أو وليه، كاملا غير منقوص، أما إن بلغ سفيها فلا يستلم ماله مهما طال به العمر إلا أن يرشد، خلافا لأبي حنيفة الذي قال: لا حجر على بالغ سفيه بعد الخامسة والعشرين.

وقد عرف فقهاء المذاهب الإسلامية السفيه بعدد من التعريفات:

منها أن السفيه هو المبذر الذي لا يحسن التصرف في المال، والطائش الذي يعمل في ماله بخلاف مقتضى العقل والشرع، ومنها المغفل الذي يشتري ما يساوي درهما بمائة درهم، ومنها الذي لا يهتم بحرز المال وحفظه والعاجز عن تنميته، أو الذي يصرف ماله في غير موضعه ويبذر في مصارفه، والمجنون وفاقد العقل، والأبله الذي ينسى حقوقه أو يُستغفَل عنها، والبالغ الذي لا يحسن التصرف في المال أو يحمله الغضب والفرح على العمل بخلاف العقل والشرع، وكذلك البالغ الراشد الذي طرأَ عليه السفه أو اختلّ عقله لمرض أو خرف أو شدّة كبر.

والآية الكريمة تنهى الأوصياء عن تمكين اليتيم البالغ السفيه من ماله بقوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} وقد نسبت الأموال إلى الأوصياء مع أنها ليست لهم، للتنبيه إلى أن أموال اليتامى كأنها عين أموالهم وأموال الأمة، مبالغة في حملهم على وجوب حفظها وصيانتها من أي إتلاف ما دامت تحت ولايتهم؛ ثم بين أهمية المال في حياة الناس تأكيدا آخرَ على ضرورة حفظها بقوله: {الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} ولفظ: {قِيَامًا} اسم لما يقوم به الشيء ويثبت، كالعماد والسناد: لما يعمد ويسند به، قرأها نافع وابن عامر: {قِيَمًا} مصدر على وزن فِعَل بمعنى فِعَال: مثل عِوذَ بمعنى عياذ، وقال الزجاج:"قِيَمًا"مصدر كالصغر والكبر، أي: جعلها الله تعالى من جنس أموال المسلمين التي هي وسيلة ومناط لمعاشهم ينهض بها مجتمعهم وتقوم بها أمورهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت