فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 326

ثم عقب الحق سبحانه ببيان حق أصحابها فيها ما داموا سفهاء غير راشدين فخاطب أولياءهم وأوصياءهم بقوله: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} وجعل عليهم مسؤوليتين:

أولاهما أن يرزقوهم ويكسوهم فيها، ولم يقل منها لئلا يكون ذلك أمرا بأن يجعلوا بعض أموالهم رزقا لهم، بل يجعلوها مكانا لرزقهم فيتجروا فيها ويجعلوا الإنفاق على حاجاتهم مطعما وملبسا وتطبيبا وتعليما وما سوى ذلك من الخدمات الضرورية لحياتهم، من أرباحها و مكاسبها لا من أصولها، فلا يستهلكها الإنفاق والزكاة، وهو ما ورد في الحديث المرسل: (ابتغوا في أموال اليتامى لا تذهبها الصدقة) أو (لا تستهلكها الصدقة) ، وقال عمر بن الخطاب:"اتجروا بأموال اليتامى وأعطوا صدقتها".

وثانيتهما أن يقولوا لهم قولا معروفا، وهو النصح والتوجيه والإرشاد والعمل على إخراجهم باللين والكلم الطيب غير المنفر من حالة السفه المتلبسة بهم.

وبما أن الرشد والسفة حالتان معنويتان لا تعرفان إلا بأثرهما في الحياة العملية فقد أرشد عز وجل إلى أقوم طريقة لتمييز الرشيد من السفيه فقال:

{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} أي: اختبروا قدرتهم على التصرف السليم في أموالهم قبل إيتائهم إياها، ويكون ذلك بمراقبة أحوالهم وطرق تعاملهم بها أو بتمكينهم من أقساط لإنفاقهم الشخصي ليوم أو أيام، ومعرفة أوجه صرفهم لها، ويعد هذا الاختبار شرطا ضروريا لتسليمهم أموالهم، ويكون قبل البلوغ، كما يشهد بذلك ظاهر الآية في قوله تعالى بعدها:

{حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} وبلوغ الذكر والأنثى سن النكاح هو قدرتهما على المعاشرة الزوجية بظهور علامات ذلك من احتلام وحيض وغير ذلك مما هو مفصل في كتب الفقه.

{فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} آنس أي: علم وتبين وأبصر، آنست نارا: أبصرتها، قال تعالى: {إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا} طه 10، والإيناس الرؤية والعلم والإحساس بالشيء، والمعنى: إن تبين لكم وعلمتم من تصرفات اليتيم عند الاختبار رشده وحسن تقديره للأسباب والنتائج والربح والخسارة والمصلحة والمضرة حُسِب له مالُه ودفع إليه حال البلوغ لا قبله، لأن الآية صريحة في أن الاختبار يكون قبل البلوغ وأن الدفع يكون بعده وبعد الإيناس، فإذا لم تتوفر شروط البلوغ والاختبار وإيناس الرشد معًا لا يدفع المال للمحجور، وإن بلغ غير راشد استمر عليه الحجر من طرف الوصي إلى أن يرشد، مهما طال به العمر سفيها، خلافا لأبي حنيفة الذي يرى أن يعطاه ماله إن بلغ الخامسة والعشرين أونِسَ منه الرشد أو لم يؤنَسْ، لما روي عن عمر رضى الله عنه أنه قال:"ينتهى لب الرجل إذا بلغ خمسًا وعشرين"؛ في مباحث مستفيضة مكانها كتب الفروع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت