فهرس الكتاب

الصفحة 312 من 326

أما الوحي بالمعنى الشرعي فلا يطلق إلا على الإعلام بخفاء من الله، كلما صدر من رب العزة اهتزت السماوت والأرض وما فيهن فزعا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم فُزِّع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق، فينادون: الحق الحق) ، والوحي للأنبياء من أدلة صدق نبوتهم، قال صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) .

ويكون الوحي بعدة أضرب من التبليغ ذكرها الحق سبحانه بقوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} الشورى 51، والرسول صلى الله عليه وسلم لشرف منزلته وعلو مقامه تلقى الوحي بجميع هذه الطرق، فقد كلمه ربه تعالى من وراء حجاب مباشرة كما في حديث الإسراء والمعراج، وكان جبريل عليه السلام يأتيه بالوحي قرآنا وسنة وتعليما، وكان الوحي يأتيه إلقاءً في الروع مثل صلصلة الجرس كما في حديث عائشة رضي الله عنها، من أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول) . قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا.

أما سبب نزول هذه الآية الكريمة: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} ، فلما قاله بعض يهود المدينة للرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس:"يا محمد، ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى"، وما قال غيرهم فيما أخبر به القرآن عنهم: {لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَة} الفرقان 32. والمراد بها أن يبين الله تعالى لنبيه حجته على المكذبين اليهود، وأنه أوحى إليه كما أوحى إلى نوح والنبيين الذين آمن بهم بنو إسرائيل، وبدأ بنوح عليه السلام لكونه أبا للبشرية بعد آدم، وكونه أطول الأنبياء عمرًا، وأنه أول نبي بعث بشريعة، وأول نذير على الشرك، وأول من عذبت أمته لردها دعوته، وكان هلاك أهل الأرض بدعائه. ثم خص بالذكر بعد نوح إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وداوود، فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت