{وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} وقد ورد لفظ {وَالْمُقِيمِينَ} بالياء في سائر المصاحف منصوبة على المدح والتخصيص، لبيان فضلها على سائر العبادات، أي أخص المقيمين الصلاة، وهو أسلوب من الأساليب العربية في إبراز أي معنى خاص في سياق عام.
ثم عاد الوحي الكريم لسرد صفاتهم الأخرى في سياق العطف على {وَالْمُؤْمِنُونَ} فقال:
{وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فوصفهم بأشرف الطاعات المالية بعد وصفهم بالصلاة وهي أشرف الطاعات البدنية، معلقا كل ذلك بشرط الإيمان بالله واليوم الآخر وهو المبدأ والمنتهى في كل أمر. والآية بذلك جمعت لهم تمام شروط الفلاح، رسوخا في العلم بالله وبالمبدأ والمعاد، ومعرفة راسخة بأحكام الدين، وعملا بها، ولا شك أن من استجمع هذه الصفات استحق بفضل الله حسن الجزاء، ولذلك عقب الحق سبحانه بقوله:
{أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} وعدا من الله حقا، ووعد الله لا يخلف أبدا {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} الزمر 20.
وبعد أن قارن الحق سبحانه بين اليهود وعاقبة أمرهم، وبين الصالحين فيهم ممن آمن فكان جزاؤه الأجر العظيم، عاد تعالى لمخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم يلقنه حجته في الرد على منكري نبوته وجاحدي ما أوحى به إليه، في تعريض واضح بما دأب عليه المشركون واليهود من مشاغبات على الوحي ومحاربة لدعوة الإسلام، فقال تعالى:
{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ... } والوحي في قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} من الفعل"وحى"، ويدل في اللغة على إعلام في خفاء وسرعة، إشارةً وإيماءً أو إلهاما، أو رسالة أو كلاما خفيا ونحوه، سواء أكان من الله لأي من المخلوقات، سماء وأرضا وملائكة أو إنسا وجنا أو غيرهم، أمرا ونهيا وتدبيرا وتسخيرا، أو من الشياطين والجن والإنس لبعضهم، في الخير أو الشر، وقد ورد في القرآن الكريم بمعنى الإيماء والإشارة في قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} مريم 11، وبمعنى التسخير في قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} النحل 68، وبمعنى الإلهام في قوله عز وجل: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} القصص 7، وبمعنى الأمر الخفي في قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا} الزلزلة 5، وبمعنى الوسوسة والاستدراج الخفي إلى الشر في قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} الأنعام 112.