{وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} أي: بسبب أخذهم بالمعاملات الربوية، وقد حرمت عليهم في التوراة ونهاهم عنها جميع الأنبياء، وحرمها الإسلام تحريما قاطعا، إلا أنهم أصروا عليها، ونجحوا في تعميمها على جميع أمم الأرض في عصرنا هذا، فصارت عماد الاقتصاد العالمي وعمدته، لا يشذ عنها بلد إلا حورب.
{وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} والباطل في هذا السياق هو جميع الوسائل والأساليب التي تؤدي إلى الكسب المحرم، كالغش والسرقة والتدليس والتزوير، والرشوة والهدية لذي سلطان، والابتزاز والكذب وبيع الأوهام والفتاوى الدينية ولو كانت صحيحة، والاتجار بسائر الخدمات المحرمة، مما تلبس به المسلمون المعاصرون شعوبا وحكومات، وهو السحت الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة رضي الله عنه: (دِرْهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية) ، وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نبت لحمه من السحت فالنار أولى به) .
ثم يعقب تعالى على هذه الآثام كلها بذكر ما أعده لأهلها يوم القيامة بقوله عز وجل: {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} أي أعددنا لمن أصر منهم على الكفر عذاب النار {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} إبراهيم 29.
ولما بين تعالى عقاب هذه الطائفة المحرومة من بني إسرائيل استدرك باستثناء الصالحين فيهم فميزهم بصفاتهم وأنصفهم وقرر حسن جزائهم وقال:
{لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ} والراسخ حقيقته ثابت القدم في المشي لا يتزلزل، من فعل رسخ يرسخ رسوخا إذا ثبت في موضعه، استعير لوصف العلماء الصادقين، مدحا للعلم الراسخ لكونه أداة تنوير وطريقا للمعرفة الصحيحة، وحافزا للبحث والتساؤل عن الحق والقدرة على التسليم به حال الاهتداء إليه، وما نراه في عصرنا هذا من اعتناق عدد من كبار علماء العالم للإسلام خير دليل. وقد كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، من هؤلاء الراسخين في العلم عدد من علماء بني إسرائيل مثل عبدالله بن سلام وأصحابه، أسلموا وحسن إسلامهم فنزلت فيهم هذه الآية الكريمة، ووصفتهم مع سائر المؤمنين في العهد النبوي وفي كل زمان بقوله تعالى:
{وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} أي الراسخون في العلم من اليهود ومعهم كافة المؤمنين الذين حول رسول الله من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم، يؤمنون بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم، وما أنزل على الأنبياء قبله.