قدم فيها، فشدد الله عليهم في الدنيا وفي الآخرة، ومن ذلك في الدنيا تحريم بعض الطيبات عليهم تأديبا وعقوبة، أما في الآخرة فالنار مثوى المصرِّين منهم، ولذلك قال تعالى مقدما السبب وهو الظلم على المسبب وهو تحريم ما أحل لهم:
{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} أي حرم عليهم ما كان حلالا لهم قبل ظلمهم، كما قال تعالى في الآية 93 من سورة آل عمران: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} ، وكان يعقوب عليه السلام - وهو إسرائيل - قد نذر لله ألا يأكل لحوم الإبلِ وألبانَها.
لقد ذكر تعالى هذه الطيبات التي حرمت عليهم نكرةً مبهمة وغير مفصلة، ولكنه في سورة المائدة بينها وأكد أن البغي والظلم هما سبب التحريم بقوله عز وجل: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} المائدة 146، ولعل من حكمة تحريم هذه الطيبات المرتبطة بطعامهم اليومي أن يتذكروا دائما ما ارتكبه أسلافهم بما يحملهم على الانضباط للشريعة والتزام الجادة، ولذلك عندما بعث فيهم عيسى عليه السلام أحل لهم ما حرم عليهم منها، تأليفا لقلوبهم وتلطفا بهم، كما حكى الوحي الكريم ذلك على لسانه بقوله تعالى: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} آل عمران 50.
ويواصل الوحي الكريم تعداد حيثيات وصفهم بالظلم بقوله تعالى:
{وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} والصدّ لغة من فعل"صدّ"يصِدُّ بكسر عين المضارع وضمها، صدودا وصدا، يستعمل لازما ومتعديا، اللازم بمعنى أعرض كما في قوله تعالى: {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} النساء 61، والمتعدي يفيد المنع من الشيء والصَّرْفَ عنه، كما في قوله تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} العنكبوت 38، أي صرفهم الشيطان عن طريق الحق. والآية تفيد المعنيين، صدودهم عن الحق، وصدهم غيرَهم عنه، أي: إعراضَهم عن صراط الله تعالى ومنهجه إيمانا صادقا سويا، ومنعَهم غيرَهم من الإيمان، سواء في عهد موسى عليه السلام والعهود بعده، أو في عهد محمد صلى الله عليه وسلم وما بعده، ولذلك وصف تعالى صدهم عن الحق بقوله: {كَثِيرًا} أي زمنا كثيرا وناسا كثيرين. بل بلغ بهم التمرد والمحاربة مبلغا قتلوا فيه الأنبياء والرسل والصالحين، ووشوا بهم، ورموهم بهتانا وافتراء بكل كبيرة.