وقوع قتل وصلْب على ذات يعتقدونها ذات المسيح عليه السلام. واختلف الرواة في كيفية إنجاء الله له وفي من قُتِل بدلا عنه، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك خبر صحيح {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} الذين اختلفوا من اليهود في قتله وصلبه واختفاء أثره {لَفِي شَكٍّ مِنْهُ} مترددون في وقوع قتله حقيقة، منهم من جزم بقتله ومنهم من شكك فيه، والذين اختلفوا فيه من النصارى ذهبوا مذاهب شتى في تأويل قتله وصلبه وما دعوه قيامته من قبره. ثم في عقيدتهم فيه وتصورهم لطبيعته ولعلاقته بالله عز وجل، وكلا الطائفتين يهودا ونصارى {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} ليس لهم أي علم حقيقي بما حدث لعيسى عليه السلام، سوى ما أخبر به الحق سبحانه نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم فكذبوه ولم يعتمدوا في معتقدهم {إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} أي الشك والتخمين.
ثم يأتي تأكيدالخبر نزعا للشك باليقين في أمره من الله عز وجل بقوله: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} واليقين هو العلم الجازم الذي لا يحتمل الشكّ، وقد ورد منصوبا في هذه الآية على أنه مفعول مطلق مؤكد للجملة قبله وهي {وَمَا قَتَلُوهُ} أي أنّ عدم قتلهم إيّاه أمر متيقّن.
ثم جعل الله تعالى انتهاء أمره آية أخرى، ونفى أقاويل اليهود والنصارى وأضاليلهم بقوله عز وجل: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} لم يقتلوه ولم يصلبوه ولكن رفعه رفع تشريف وقربى وعلو مقام عن هذا العالم، كما في قوله عز وجل في الآية 55 من سورة آل عمران: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، والضمير في قوله {إلَيْهِ} وقوله {إِلَيَّ} عائدٌ إلى الله تعالى، على حَذْفِ مضاف تقديره رفعه إلى محل أمره المقدر له ومكان سعادته، وأبعده عن أذى جاحديه من اليهود، كما في قوله تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} آل عمران 109، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ} النساء 100.
إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه عن الإسراء في رواية الشيخين وأصحاب السنن أخبر بمكانه في السماء الثانية إذ قال: (انطلقت مع جبريل عليه السلام فأتينا السماء الدنيا، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ مرحبا به ونعم المجيء جاء، فأتيت على آدم عليه السلام فسلمت عليه، قال مرحبا بك من ابن ونبي، ثم أتينا السماء الثانية قيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، فمثل ذلك، فأتيت على يحيى وعيسى فسلمت عليهما فقالا مرحبا بك من أخ ونبي ... ) .
ثم عقب تعالى ببيان عزته التي يعز بها أولياءه وحكمته التي يصرف بها الأقدار فقال: