{وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} بعزته أعز نبيه عيسى عليه السلام فأنجاه مما كان اليهود يعدونه له من إذلال، وبحكمته جعل خلقه وحياته ونهايته تبصرة للمؤمنين وفتنة للكافرين، وآية على قدرته وبديع خلقه.
ولما كان اليهود مبالغين في عداوتهم لعيسى إلى حد القذف والكذب والبهتان والوشاية والكيد، وكان النصارى مغالين فيه إلى حد الشرك تأليها وتثليثا فقد جعل الله لهم آية تكذبهم في الدنيا ويزدادون بها حسرة وجزعا وندما قبل ورودهم على الآخرة وذلك بقوله تعالى:
{وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} ولفظ"إِنْ"للنفي بمعنى"ما"، كما في قوله تعالى: {وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} مريم 71، أما الضمير في قوله تعالى {قَبْلَ مَوْتِهِ} فهو عائد إلى عيسى عليه السلام ويعني أن ذلك يقع عقب نزوله إلى الدنيا مستقبلا وأن المراد بأهل الكتاب الذين يؤمنون به عبدا ورسولا هم الموجودون في زمان نزوله كما تشير إليه رواية الشيخين عن أبي هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم:(والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها"، ثم قال أبو هريرة: فاقرؤا إن شئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} ."
أما من ذهب إلى أن الضمير في قوله تعالى {قَبْلَ مَوْتِهِ} عائد إلى كل يهودي ونصراني في كل زمان فيرى أن إيمانهم به يكون عند الجسر بين الحياة والموت وانقطاع صلتهم بالدنيا، وهو ما روي عن شهر بن حوشب قال: قال الحجاج إني ما قرأتها إلا وفي نفسي منها شيء، يعني هذه الآية، فإني أضرب عنق اليهودي ولا أسمع منه ذلك. فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره، وقالوا: يا عدو الله أتاك عيسى نبيًّا فكذبت به، فيقول آمنت أنه عبدالله، وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبيًا فزعمت أنه هو الله وابن الله، فيقول: آمنت أنه عبدالله، فأهل الكتاب يؤمنون به، ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان، فاستوى الحجاج جالسًا وقال: عمن نقلت هذا؟ فقلت: حدّثني به محمد بن علي بن الحنفية، فأخذ ينكت في الأرض بقضيب ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية) . وعن ابن عباس أنه فسّره بذلك أيضا فقال له عكرمة: فإن خر من سقف بيت أو احترق أو أكله سبع قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.
إن عيسى عليه السلام آية في خلقه وحياته ورفعه ونزوله، بل كان وجوده كله في الأرض وفي السماء آية للموقنين، وفتنة للجاحدين والمغالين، ويوم القيامة إذا عرضوا على ربهم صفا يتبين الحق غلابا