{بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} بل قلوبهم خلقت على الفطرة متمكنة من الاختيار بين الخير والشر كقلوب سائر الناس ولم تكن قط غلفا، ولكنهم لما تنكروا لفطرتهم وأعرضوا عن دعوة الأنبياء واتبعوا الشهوات طبع الله عليها بسبب كفرهم. وقد بينت الآية السادسة من سورة البقرة وما بعدها كذلك أن الكفر يحدث أولًا، ثم يأتي الختم على القلب والسمع والبصر نتيجة لذلك، فليرجع له في المجلد الأول من هذا التفسير. والطبع هو إحْكام غلق الوعاء أو الإناء أو القارورة بطين أو نحوه كما كان قديما أو بسداد معدني كما هو حال زماننا، ثم يَسِمُونه بِسِمَة معينة تدل على نوع البضاعة أو اسمها، وتسمى آلة الطبع هذه طابعا أو ختما. لقد استمرؤوا ما هم عليه من الكفر فطبع على قلوبهم {فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} أي إلا إيمانا قليلا لا يكفي لخروجهم من دائرة الكفر، وهو من باب تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه، إذ أصل الإيمان لا يقبل القلّة والكثرة ولا بد أن تكتمل أركانه أولا وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ثم بعد ذلك يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والقليل من الإيمان بمعنى الإيمان ببعض والكفر ببعض كفر.
ثم يسترسل الوحي الكريم في تعداد أقوالهم السيئة المكفرة وعدوانهم على الصديقين والأنبياء بذكر ما نالوا به من الصديقة مريم عليها السلام فقال تعالى:
{وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} أي: وطبع على قلوبهم أيضا بسبب كفرهم إذ رموا الصديقة مريم عليها السلام بالفرية الكبيرة والبهتان العظيم واتهامهم لها بالفاحشة وقد رأوا الآيات البينات على براءتها وصفاء سريرتها وعظيم أخلاقها وتقواها، وشاهدوا عيسى عليه السلام وهو صبي في المهد يكلمهم ويعرف بنبوته ورسالته: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} مريم 30/ 31
{وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ} وطبع على قلوبهم كذلك بسبب قولهم كذبا وادعاء واستهزاء بالنبوة واستهانة بدماء الأنبياء أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، بل وما زال أجيال اليهود إلى الآن تدعي ذلك وتعده من مفاخر أسلافهم، ولئن كان القتل لم يقع منهم لعيسى حقيقة فإن تبييتهم له واعتقادهم بوقوعه يحملهم ذنبه لا سيما وقد قتلوا فعلا أنبياء غيره. ومن قتل نبيا واحدا فكأنما قتلهم جميعا.
ولذلك عقب تعالى على هذه الدعوى الزائفة بتسفيهها ونفيها بقوله عز وجل:
{وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} إنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه مطلقا وإن كثر قائلو ذلك منهم، وسلمه لهم النصارى، ولكن شبه لهم وتوهموا أن المقتول هو عيسى عليه السلام، لِما رأوه ظاهرًا من