{وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} أمرهم الله تعالى بالامتناع عن صيد السمك يوم السبت وأخذ عليهم بذلك ميثاقا مشددا وعهدا موثقا، فامتثلوا أولا، ثم عادوا لما نهوا عنه من الصيد كما بينه تعالى في مواضع أخرى بقوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} البقرة 65، وقوله: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} الأعراف 163.
إن بني إسرائيل منذ بعث فيهم موسى عليه السلام وهم يتأرجحون بين إيمان وكفر، لم تثبت لهم قلوب على إيمان أو طاعة أو تقدير لمقام النبوة فيهم، فمن جراءتهم سألوا موسى أن يروا الله جهرة فصعقوا ثم تابوا خوفا، وعاهدوا على العمل بالتوراة فجحدوها إلى أن رفع فوقهم الطور، وعبدوا العجل في غيابه فعوقبوا وتاب الله عليهم، وأمروا بدخول بيت المقدس مجاهدين وموعودين بالنصر فجبنوا ولم يثقوا بوعد الله، وأمروا بعد موسى بالدخول ساجدين تائبين فدخلوا مستهزئين ساخرين، واختبرت طاعتهم بالسبت فكان العصيان ثم المسخ، كل هذه المعاصي وغيرها كثير، تعد نقضا تاما لعهدهم مع الله وتنكرا لما واثقهم به، ولذلك عقب الحق سبحانه بقوله:
{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} ما حاق بهم من هذه العقوبات لعنا ومسخا وغيرهما كان بسبب نقضهم عهدهم مع الله {وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ} وكفرهم بالآيات والمعجزات التي شاهدوها على يد موسى والأنبياء بعده {وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ} وبقتلهم الأنبياء مثل زكرياء ويحيى عليهما السلام ومحاولتهم قتل عيسى عليه السلام {بِغَيْرِ حَقٍّ} والأنبياء معصومون من كل نقيصة أو دنية أو ارتكاب ما يستحقون به القتل {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} وبقولهم عنادا واستهزاء: لم نرتكب إثما فيما فعلنا لأن قلوبنا خلقت مغلفة بأغشية سميكة تمنع خروج ما فيها من ضلال أو دخول ما يأتي به الأنبياء من الحق، كناية عن إصرارهم على العصيان، ورفضهم صحيحَ الإيمان، واستكبارهم على الطاعة والامتثال لما نزل عليهم من الدين، كما ورد عن قوم نوح في قوله تعالى: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} نوح 7، وكما حكى الله عن المشركين: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} الزخرف 20.
ولكن الحق سبحانه يسفه دعواهم ويكذب مقولتهم هذه بقوله: