{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} وقد بين الحق تعالى في هذه الآية أربعة أصناف من الكفر وما اعترض به كل صنف منهم على الإسلام قولا أو مواقف.
أول هذه الأصناف الملحدون الذين لا يؤمنون بالله ولا بالرسل في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} وقد زعموا أن لا إله ولا آخرة وأن الحياة مادة، {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} الجاثية 24.
والثاني من يفرقون بين الله ورسله في قوله تعالى: {وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ} أي:"والذين يريدون أن يفرقوا ..."، ومنهم كثير من كفار العصر الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالله، وأن الأنبياء مجرد مصلحين لا علاقة لهم بالرسالة أو الوحي، وأنهم انتحلوا الشرائع التي أتوا بها من عند أنفسهم.
والثالث من يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض، ويؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، في قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} أي: والذين يقولون نؤمن ببعض ما أنزل ونكفر ببعض، كحال اليهود والنصارى إذ يزعمون الإيمان ببعض الأنبياء ويكفرون بآخرين، ويدَّعون العمل ببعض الكتب ويجحدون غيرها، وكحال بعض المسلمين اليوم إذ يردّون نصوصا قرآنية بدعوى عدم صلاحيتها لعصرهم.
والرابع دعاة وحدة الأديان كلها، إسلاما ويهودية ونصرانية وبوذية وغيرها، كما لدى بعض المنظمات العالمية المشبوهة، وهو ما تشير إليه الآية بقوله تعالى: {وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} أي: والذين يريدون أن يتخذوا طريقا بين مختلف العقائد والديانات تنأى بالمرء عن عقيدة التوحيد، وتصرفه عن تحقيق معرفتها وفهمها والثبات عليها.
لقد نبه الحق سبحانه إلى أن هذه الأصناف كلها هم الكافرون حقا، ولا ينبغي اختلاف في كفرهم واستحقاقهم العذاب المخلد في النار فقال: {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} هم أهل الكفر يقينا مقطوعا به، {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} وأعددنا لكل الكافرين في جهنم عذابا يتجرعون معه ضروب الذل والمهانة.
ثم لما ذكر تعالى هذا الوعيد للكافرين أتبعه بذكر ما وعده عباده الصالحين فقال:
{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} كلهم {وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} إلا بما فضل الله تعالى بعضهم على بعض وجعل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم الخاتمة، وجعل شريعته ناسخة للشرائع قبلها