فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 326

وسيرا على المنهج القرآني في تطوير سلوك المؤمن بالتدريج نحو الأحسن والأفضل على الدوام، يرتفع بهم التوجيه الرباني من درجة الامتناع عن السوء قولا وفعلا، إلى درجة أرقى هي فعل الخير سرا وجهرا والعفو عن السوء لوجه الله تعالى، بقوله عز وجل:

{إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} والمراد بالخير ما تعلق بحق الله إيمانا وعبادة، وما تعلق بحق الخلق إيصال نفع إليهم أو دفع ضرر عنهم، أما إبداؤه فعَمَلُه علانية وإخفاؤه عَمَلُه سرا، أما العفو عن السوء فقد اختصه الله تعالى بالذكر مع أنه داخل في جملة الخير المأمور به، لأهميته في الحفاظ على الأخوة بين المؤمنين ولئلا يغفل عنه أحد أو يستثنيه. أما جواب الشرط في قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} فمحذوف جوازا للمعرفة به، وتقديره: إن تفعلوا الخير جهرا أو سرا أو تعفوا عمن أساء إليكم يجزكم الله تعالى بالخير وحسن الثواب والعفو عن السيئات يوم القيامة، كما قال عز وجل في الصدقات: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} البقرة 271.

ثم عقب الحق سبحانه على الأمر بهذه المحامد الطيبة للاستبصار والاعتبار بواسع عفوه مع قدرته المطلقة على عقاب المذنبين والانتقام منهم فقال تضمينا لجواب الشرط المقدر: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} يجزي فاعلي الخير والعافين عن الناس بجنس عملهم، فيعفو عنهم ويجزل لهم الثواب الكثير على العمل القليل، كما يغفر سيئات المستغفرين والتوابين، ويرزق في الدنيا المؤمن والكافر والمشرك على السواء، وهو القدير على أن يفعل بهم ما يشاء، إن عفا فإنما يعفو عن قدرة كاملة على العقاب، وإن رزق رزق بغير حساب.

لقد جمعت هذه الآية الكريمة كل أنواع الخير وأعمال البر، ومهدت لذلك بتحريم قول السوء ابتداء وجزاء، في تلاسن المتخاصمين وردودهم على بعضهم سرا أو علانية، وفي تقاضيهم حول الحقوق والمظالم نفيا وإثباتا، إلا أن قول السوء يشمل دائرة أوسع من ذلك هي دائرة الدعوة إلى الدين ونشر عقيدة التوحيد، وهي ما تلقى فيها الأنبياء والمرسلون أشد أصناف السوء القولي والفعلي، ومع ذلك قال الله لهم: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} الأنعام 108، وتوضيحا لهذا الجانب يأخذنا الوحي الكريم في جولة تستعرض ما جوبهت به دعوة الإسلام من طرف الكفار وأهل الكتاب، وذلك بقوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت