ولعل من أهم الدوافع إلى اقتراف إثم القول السيئ التنافس على مكاسب الدنيا وحب الاستئثار بها دون الآخرين، والميل لتزكية النفس والرياء وحب الظهور، والأنانية، والحسد والحقد وسوء الظن، وكل ذلك أمراض نفسية تكشف خللا في الفطرة، وفسادا في التربية والتنشئة يوقع صاحبه في عظائم الآثام وكبائر الذنوب بقول السوء، كالغيبة والنميمة والبهتان والكذب والافتراء والقذف والشتم والتشهير واللعن.
ولذلك حرم الحق سبحانه القول السيئ مطلقا ثم استثنى من هذا التحريم كل من لحقه الظلم بقوله:
{إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} فرخص للمظلوم بأن يجهر بمظلمته عملا بقوله تعالى: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} الشورى 41، وأن يعلن اسم ظالمه أمام القضاء كي ينتصف منه، أو لعموم الناس كي يحذروه، وأن يدعو عليه جهرا أو سرا إن عجز عن دفع ظلمه وأخذ حقه منه. ومن أمثلة ما يردُّ به المظلوم على ظالمه ما روى أبو هريرة من أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه جاره، فقال:"يا رسول الله إن جاري يؤذيني"، فقال: (أخرج متاعك فضعه على الطريق) ، فأخرج متاعه فوضعه على الطريق فجعل كل من مر عليه قال:"ما شأنك؟"فيقول:"إني شكوت جاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أخرج متاعي فأضعه على الطريق"، فجعلوا يقولون:"اللهم العنه اللهم اخزه"، قال: فبلغ ذلك الرجل فأتاه فقال:"ارجع فوالله لا أؤذيك أبدا". وفي كل الأحوال فإن رخصة الرد على الظالم لا تبيح للمظلوم أن يشتط عليه بقذف أو بهتان، أو بما نصت الشريعة على تحريمه، لأن الله تعالى يسمع قوله ويراقب عمله {وَكَانَ اللَّهُ} أزلا وأبدا {سَمِيعًا عَلِيمًا} لا يخفى عليه من الأقوال والأعمال شيء مهما دق أو خفي.
إلا أن الظلم قد يلحق أحيانا دين الله تعالى نفسه، بالكذب عليه ومحاولة تحريفه ومحاربته، أو يلحق دعوته وحركة نشره وبنائه، بالتآمر مع أعدائها ومحاولة ترويضها أو إخضاعها لأهواء الفسقة والظالمين والمنافقين، وفي هذا الحال تكون المجاهرةُ بالرد القولي واجبا، واتباعُ منهج القرآن والسنة فيه أوجب، وكشفُ الباطل وأهله جهادا في سبيل الله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} التوبة 73، وقال: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} الفرقان 52، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} المجادلة 5.