وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى. وهو ما تكتوي به أمتنا في عصرنا هذا وتسيل به الدماء وتهدر الأموال والأعراض، فإن الحق سبحانه قد وضع إصبعنا في هذه الآية الكريمة على جذور الفتنة ومكمن الداء في أكثر حالات الخصومة والخلاف بين الناس، وهو الجهر بالقول السيئ، سواء كان تعبيرا عن معنى سيئ، أو مجرد تعبير سيئ عن معنى سليم، واشترط أن يكون إطار خطابنا وحديثنا للناس جميعا طيبا لينا لا يفسد الود ولا يجرح النفوس ولو كان نصيحة أو عتابا أو استقضاء لحق أو رفضا له وإنكارا، فقال عز وجل: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ} ، ومحبة الله للشيء أو عدم محبتِه له مجرد كناية عن رضاه به وبذله ثوابه، أو غضبه عليه وتقريره عقابه، ويقتضي هذا أن يحب عباده المؤمنون ما يرضاه تعالى، ويبغضوا ما لا يرضاه، وهو تمام الولاء له عز وجل، والآية بذلك امتداد لما قبلها من صفات أولياء الله وصفات أولياء غيره من الكفار والمنافقين، ونهْيٌ عن شتم التائبين من المنافقين والكفار بما سبق من نفاقهم أو كفرهم، وتحريمٌ للإساءة بالقول يُعْلَم منه أنّ الإساءة بالفعل أشدّ تحريمًا، وأن للمجاهرة به آثاما مضاعفة لأنها تثير العداوة والبغضاء، وتزرع الأحقاد في المجتمع، وتوقع السامعين في الإثم إن لم ينكروا، لأن سماع السوء كعمل السوء، وتسيء إلى ضعاف التربية فتجرئهم على تقليد المسيء بالفجور في الخصومة.
وقد روي في سبب نزول هذه الآية أن رجلا شتم أبا بكر والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويبتسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبو بكر فقال:"يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس فلما رددتُ عليه بعض قوله غضبتَ وقمتَ؟"قال: (إنه كان معك ملك يرد عنك فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان) ، ثم قال: (يا أبا بكر ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظُلم بمظلمة فيغضي عنها لله عز وجل إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده بها كثرة، وما فتح باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة) .
إن إبليس - عليه لعنة الله - يجد الفرصة مناسبة كلما اختلف المسلمون مع بعضهم وأساؤوا القول لبعضهم، فينتهزها للنزغ بينهم وإغاظتهم وتمزيق صفهم، وضرب قلوبهم ببعضها، ولذلك قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} الإسراء 53.
ولئن أفرد الحق سبحانه للتحذير من سوء القول عددا من الآيات الكريمة، ووردت فيه عشرات الأحاديث الصحيحة فما ذلك إلا لبذاءة فعله وعظم خطره وسوء عواقبه في الدنيا والآخرة، وشموله كثيرا من المعايب والْمَذامِّ والمعاصي.