فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 326

ظن الغافلون في لحظات غفلتهم أو الحانقون في لحظات غيظهم أن الجهر بكلمة السوء مجرد نفثة صدر تذهبها الرياح، فإن وزرها مثبت لدى الشاهدَين المتلقِّيَيْن عن اليمين وعن الشمال {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ق 18. قال صلى الله عليه وسلم: (البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يموت فكن كما شئت كما تدين تدان) .

إن كلمة السوء شر كلها سواء كانت حقا أو باطلا، إن كانت حقا في غياب من قيلت فيه فهي الغيبة، وإن كانت باطلا فهي البهتان، وإن كانت حقا أو باطلا في حضوره وبين الملأ لغير نصيحة فهي شتيمة وصفاقة ووقاحة وعدوان، لذلك حرص الوحي الكريم على أن تشيع الكلمة الطيبة في أهل الإيمان، تملأ قلوبهم بالمحبة ومجتمعهم بالسلم، وتزيد صفهم تماسكا وقوة ورشدا، قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} الإسراء 53.

قد يكون من بهتْتَه أو اغتبته أو جاهرته بالقول السيئ مرتكبا أو غير مرتكب لما رميته به، فينتصر لنفسه حقا أو باطلا، فتكون فتنة أثرتها ونارا أوقدتها، وقد يكون عاجزا عن الرد فيكلك إلى ربك، ويا شقاء من وُكِّل القادر المقتدر بالانتقام منه. لذلك تعقيبا منه تعالى على ما ذكره في الآيات السابقة حماية للمنافقين {الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} من قالة السوء، وتمهيدا للتنديد في الآيات اللاحقة بما يرتكبه أهل الكتاب من أقوال سوء في حق الأنبياء والمرسلين، وتحريضا على القول الحسن والكلمة الطيبة تقربا إلى الله وإحسانا إلى الخلق جميعا قال جل شأنه:

{لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ} تبدأ آيات هذه الحلقة بوضع قاعدة أخلاقية صلبة لتربية من خرج من الجاهلية إلى الإسلام في العهد النبوي، أو من خرج من الكفر إلى الإيمان في كل عصر، أو من العصيان والانحراف إلى التوبة والطاعة والرشد في مجتمع المسلمين، وبقي محتفظا ببعض رواسب عنفوانيته وعنفه أو تلقائيته وسرعة استجابته للاستفزازات القولية والفعلية، من أجل تأهيله لمنهج الإسلام السوي، وهدايته لسبل تنزيل عقيدته إلى واقع الحياة البشرية في الأرض، وإقامة أمر الله دعوة إلى دينه وتحريرا لعباده، بما يتطلبه هذا العمل من اليقظة وأخذ النفس والطبع بالحزم، وبما يناسبه بذلا وجهادا وتضحية، وما يمهد له السبيل خلقا رفيعا وصبرا ومصابرة وإيثارا وسماحة، في إطار محكم من التصور الإيماني الرشيد الذي يجعل السلوك السوي وسطا بين جلافة القوة والاستعلاء ومذلة الضعف والاستحذاء.

وحيث إن الفتن والعداوة أولها التراشق بالكلام في معظم حالات التباغض والشنآن بين الأفراد والأسر والشعوب، وقديما قيل لعنترة الفوارس وقد خاض ذلك وجربه: صف لنا الحرب، فقال: أولها شكوى،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت