ولا شك أن اجتماع كل هذه الصفات في هؤلاء المنافقين دليل على تشبثهم بما هم عليه من الكفر وتبييت الشر للإسلام والمسلمين، لذلك عقب الحق عز وجل بقوله: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ} عن طريق الجنة لإصراره على النفاق والكفر {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} فلن تجد له طريقا إليها.
وبعد أن شرح الحق سبحانه دخائل الكفار والمنافقين ودسائسهم أقبل على المؤمنين بالتحذير من موالاتهم أو إيثارهم بالمحبة والنصرة فقال:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} لا تجعلوا ولاءكم محبة أو تناصرا أو تعاونا للكافرين ولا تؤثروهم بذلك على المؤمنين {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} إنكم إن فعلتم ذلك أقمتم على أنفسكم يوم القيامة حجة واضحة على نفاقكم فعذبكم بها.
ثم شدد التحذير من نفاق الموالاة لأعداء المسلمين ببيان مكانة من يرتكبه في جهنم فقال عز وجل: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} ، والدرك بسكون الراء وفتحها هو طبقات جهنم، والمنافقون في أسفلها لأنهم أخبث الكفرة بضمهم إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام والمكر بأهله {وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} وليس لهم يوم القيامة ناصر ينقذهم منها.
وما دام باب التوبة مفتوحا لمن قصده، والتوبة تجب ما قبلها وتمحوه، فإن الله تعالى رحمة ولطفا بعباده مؤمنهم وعاصيهم ذيل ما ذكره من عقوبة نفاق الولاء وهو أشد الكفر وأعتاه، بأن أرشد إلى طريق الإصلاح بالتوبة النصوح القائمة على الصدق فقال:
{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} استثنى من دخول الدرك الأسفل من النار ومن جهنم مطلقا كل من تراجع عن النفاق، مستجمعا شروط التوبة النصوح بقوله تعالى:
{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} ندموا وكفوا عن نفاقهم.
{وأصلحوا} أصلحوا ما أفسدوا من العقائد والأعمال وما خربوا من أمر المسلمين برفع ظلمهم عنهم ورد حقوقهم إليهم، وإبراء ذممهم نحوهم.
{وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ} فتمسكوا بدينه وتوكلوا عليه وحده لا شريك له، وكفوا عن موالاة الكفار أو الاعتصام بهم وخدمتهم.
{وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} ألوهية وربوبية وولاء له ولرسوله والمؤمنين.
ومن يستجمع هذه التوبة بشروطها: