الخديعة عليهم، وتجوز في حقهم المخادعة، إلا أنهم أكرم من أن يخدعوا غيرهم، لأن ذلك مناف لأخلاق دينهم، وطبيعة رسالتهم واستعلاء نفوسهم عن حضيض الختل والخيانة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تخن من خانك) .
أما قوله تعالى {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} فمن باب تسمية جزاء الذنب باسمه لأنه في مقابلته، كما قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئةٍ سَيِّئةٌ مِثلُها} الشورى 40، فالثانية ليست بِسَيِّئة في الحقيقة، إِنما سميت سيئة لازْدِواجِ الكلام.
والصفة الثانية للمنافقين هي قوله تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} ولفظ: كسالى من الكسل وهو الفتور، أي قاموا إلى الصلاة متثاقلين كالمكرهين عليها، لقلة اكتراثهم بها وزهدهم فيها، كما في قوله تعالى أيضا: {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى} التوبة 54، وقوله: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} الماعون 4/ 5، وذلك خلاف صلاة المؤمنين الصادقين التي وصفها الحق سبحانه بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} المؤمنون 1/ 2، وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} المؤمنون 9.
والصفة الثالثة هي قوله تعالى: {يُرَاءُونَ النَّاسَ} كل أعمالهم للرياء والسمعة واستغفال الناس وخداعهم بادعاء الإيمان والعمل الصالح، كما يفعل في أيامنا هذه بعض المتنافسين على مقاعد البرلمان وغيره.
والصفة الرابعة هي قوله تعالى: {وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} يذكرونه قليلا بألسنتهم، ولكنهم لا يذكرون أحكامه وشرائعه في أعمالهم ليُحِلّوا حلالَها ويحرِّموا حرامَها ويمتثلوا أمرها ونهيها. وهم في ذلك على غير ما أمر الله به في قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} الأحزاب 41/ 42.
والصفة الخامسة هي قوله تعالى: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} والتذبذب هو الاضطراب والتردد، أي: تتقاذفهم الأهواء والأمزجة، لا يستقر لهم رأي ولا يثبت لهم دين، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة [[1] ]بين الغنمين تَعِير في هذه مرة وفي هذه مرة لا تدري أيَّها تتبع) .
(1) - الضالة المترددة بين قطيعين.