تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} النحل 112. ولا يسعنا إلا أن نعجب للرسالة التي كتبها إلى سلطان المسلمين قائد جيش التتار هولاكو وقد اجتاح ديارهم واحتل أوطانهم وسفك دماءهم واستباح أعراضهم وقال فيها:"ودعاؤكم علينا لا يسمع، فإنكم أكلتم الحرام، ولا تعفون عن كلام، وخنتم العهود والأيمان، وفشا فيكم العقوق والعصيان ... وقد ثبت عندكم أننا نحن الكفرة، وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة، وقد سلطنا عليكم من له الأمور المقدرة والأحكام المدبرة" [[1] ].
وكي يستبين أمر المنافقين لكل مؤمن فلا يُستغفَل بمكرهم وشيطنتهم كشف الوحي خمس صفات لهم تتجلى في أقوالهم وتصرفاتهم مصداقا لقوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} محمد 30.
أولى هذه الصفات الشيطنة والمخادعة بقوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} ، وسواء كان لفظ {يُخَادِعُونَ} بمعنى يخدعون، أو بمعنى المفاعلة والمشاركة، فقد جلَّ الله عن المشاركة في المخادعة، وعن الخدع ابتداء وجزاء، وهو أعلى من أن يخادع المنافقين أو يخادعوه، أو يوقعوا في علمه خلاف ما يضمرونه، وهو يعلم سرهم ونجواهم وعلانيتهم ومدخلهم ومخرجهم ومشهدهم ومغيبهم. وبما أن صيغة المفاعلة في أصلها للمبالغة، والفعل متى غولب فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم منه إذا زاوله وحده، وصيغة"يُفاعِلُ"تقع كثيرًا في اللغة للواحد نحو عاقَبْتُ اللِّصَّ وطارَقْت النعلَ، فإن المنافقين لفساد عقيدتهم وما وقر في قلوبهم من تجسيد وتشبيه، يتوهمون أن يجوز في حق الله ما يجوز في حق المخلوق، ويتخيلون إمكانَ مخادعته وخداعه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
على أن في الآية معنى آخر إذا رأينا أن بها مجازا بالحذف، أي حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، بتقدير أن قوله تعالى: {يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا} معناه:"يخادعون رسول الله والذين آمنوا"، ونسب ذلك إلى الله تعالى من حيث إن معاملة الرسول كمعاملته، وقد ورد مثل هذا التعبير في القرآن مثل قوله تعالى: {إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله} الفتح 10، فذكر عز وجل نفسه وأراد به رسوله، وقوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} الأنفال 41، فأضاف السهم الذي يأخذه الرسول إلى نفسه وهذا المعنى أقرب إلى التصور، على اعتبار أن المؤمنين بشر تجوز
(1) - وردت الرسالة بكاملها في كتاب: السلوك لمعرفة دول الملوك"للمقريزي، ونقلها عنه د. أَحمد العبادى في كتاب:"دولة المماليك الأولى"ص 254"