{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} ولفظ: {يَتَرَبَّصُونَ} من فعل:"رَبَص"بالشيء و"تربَّص"به: انتظر به خيرا أو شرا كما في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} أي إلا النصر وإلا الشهادة {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ} أحد الشرين: {أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} عذابا من الله أو قتلا بأيدينا {فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} التوبة 52، والمعنى أن هؤلاء المنافقين ينتظرون بالمسلمين إحدى حالتين:
أولاهما: {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} فإن كان للمسلمين نصر ادعوا فيه النصيبَ بحُكْمِ ما يظهرونه من الإيمان، وقالوا لهم:"ألم نكن لكم مُظاهرين؟ فأسهموا لنا في الغنيمة".
وثانيتهما: {وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} من ظَفَر بحكم أن الحرب سجال، ادعوا لهم فيه حقا ثم: {قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} قالوا للكافرين: ألم نغلبكم برأينا وحكمتنا عند وضعكم خطة الحرب التي ساعدناكم على التخطيط لها بما قدمناه لكم من توجيه، وما نصحناكم به وكشفناه لكم من عورات المسلمين وما أمددناكم به من أسرارهم وأخبارهم {وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} نمنعكم من بأس المؤمنين بما قمنا به في صفوفهم من تبطئة وتثبيط وإشاعة للأراجيف والفتن وأسباب الاختلاف والتناحر التي فرقتهم وأضعفت معنوياتهم فانهزموا.
ولما كان المنافقون بمكرهم وخيانتهم قد جعلوا المسلمين بين عدوين ظاهر ومساتر، فقد أنذرهم الله وأولياءَهم من الكفار سوء العاقبة في الآخرة، ووعد المسلمين بالانتصاف لهم يومئذ وقال: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . ثم بشر المؤمنين تثبيتا لهم ورفعا لهممهم ومعنوياتهم بألا يسلط عليهم عدوهم ما أخلصوا لله دينهم وقال:
{وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} والمراد بالسبيل في هذا السياق الحجة والسلطة، أما في الآخرة فليست للمنافقين حجة على المؤمنين عند التحاكم يوم العرض، وهذا واضح، وأما وعده عز وجل بألا يسلط على المسلمين عدوهم في الدنيا ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها كما ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك رهن بمدى صدقهم وولائهم لله وتنزيلهم لمنهجه في حياتهم وعملهم بأحكام دينهم، لأن هذا الوعد منه تعالى للذين آمنوا وعملوا الصالحات لا لغيرهم، قال عز وجل: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} النور 55، وقال: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} الصافات 171/ 173. وقد تم هذا في فجر الإسلام وصدره، أما منذ بداية انحسار الولاء لله فما يصيب المسلمين من بلاء ليس إلا بنقضهم شرط العهد وركنه، قال