فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 326

استعانة ابن العلقمي في بغداد بالتتار وابن الأحمر بالفرنجة في الأندلس، إلى أن صار الأجنبي في عصرنا هذا يعزل من يسخطه، وينصِّب من يواليه، و يمول من يستقدمه لغزو بلاد المسلمين.

ليس لهذا الحال في المسلمين إلا سبب واحد هو اختلال ولائهم لله، لأن من ركن إلى ربه وحده استغنى به عمن سواه، وكانت عبادته وعبوديته له وحده، وتحرر من أغلال الخوف وأوهام قوة الأغيار، فلم يطلب عزة بهم ولا استعلاء بجبروتهم ولا نصرا بتصاغر لهم أو استخذاء بين أيديهم أو تسلل تحت جنح الظلام إلى معسكراتهم متوسلا متذللا.

لمثل هذا الحال ولغيره مما نخر حصون الأمة الإسلامية عبر الحقب، ولما حاوله ابتداء منافقو عصر النبوة ففشلوا، توالت آيات القرآن الكريم محذرة من الولاء لغير الله ورسوله والمؤمنين، حفاظا على وحدة الدين وتماسك أهله، وعلى قوة الأمة وضمان عصمتها من الاستضعاف، كما هو محور سورة النساء من أولها إلى آخرها.

ولئن كان جوهر الولاء لله وأعراض اختلاله في الناس قد تضمنته آيات كثيرة منبثة في كل سور القرآن الكريم تصريحا وإشارة، وكانت صفات أولياء الله تعالى كذلك مما أفاض القرآن في عرضه وبيانه، وكانت صفات الكفر ابتداء والكفر ردة قد بينتها الآيتان (136/ 137) من سورة النساء في الحلقة السابقة، فإنه تعالى قد عقب على ذلك بصورة جديدة من صور الولاء الفاسد المؤدي إلى النفاق الاعتقادي المخرج من الملة وهي قوله تعالى:

{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} والخطاب في هذه الآية بقوله تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ} موجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يأمره ربه سبحانه بأن ينذر هذا الرهط من المنافقين {بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} أي عذابا شديدا في جهنم، واستعمال لفظ البشارة مكان النذارة والتعبير بلفظ"بشر"بدل"أنذر"أسلوب للتهكم بهم مقابل تلاعبهم بالدين وطلبهم العزة والنصر من غير مصدرها. كما يقال للكافر في جهنم: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} الدخان 49، وكما كانت العرب تقول: تحيتك الضرب وعتابك السيف.

والنفاق لغة هو مخالفة الظاهر للباطن فإن كان في الاعتقاد نفيا لبعض أسمائه تعالى وصفاته أو شكا فيها أو إساءة ظن به سبحانه، أو تكذيبا لما أخبر به أو إعراضا عن منهجه للحياة فهو نفاق كفر لا يفيد معه ادعاء إيمان أو تظاهر به. وإن كان ارتكابا لبعض المحرمات ووقوعا في بعض المنهيات من غير استحلال لها فهو نفاق عمل لا يخرج من الملة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت