إن الأمر قد يكون هينا لو أن انهيار العقيدة انحصر لدى بعض العامة من الجهلة وضعاف التفكير والعلم، لأن الرشداء في الأمة أمراء وعلماء ودعاة، بيدهم وسائل الإصلاح والتوعية، ما دامت عقيدتهم سليمة وتصورهم لمصدر القوة والنصر واضحا، وولاؤهم لله حقا لا ادعاء.
لكنَّ ما طغى على هؤلاء القادة حاليا وهم يتنافسون على السلطة وتتجارى بهم شهوة الحكم والسعي للقوة والسيطرة والشهرة لا علاقة له من قريب أو بعيد بمعالم التصور الإيماني الواضح السليم؛ لقد نسي جميع هؤلاء المتنافسين على السلطة والطامعين في نصيب منها أخطر ثلاث قواعد للنصر في كل صراع أو معركة، وهي أن يبتغوا بعملهم وجه الله تعالى، وأن يكون ولاؤهم ابتداء وانتهاء لله تعالى حقا لا ادعاء أو توظيفا سياسيا فجا، وأن تكون وسيلتهم إلى ما يبتغون شرعية لا غدر فيها ولا خيانة ولا إهدار دماء، ولا استغفال عامة أو تضليل خاصة.
ولئن كنا لا نجرؤ على نبش القلوب لمعرفة النوايا، فإن لنا أعينا ترصد الأعمال وآذانا تسمع الأقوال وعقولا تقيس التصرفات وتتعقب النتائج وميزان قسطٍ من الكتاب والسنة لا يضل من قاس به ولا يتيه من استرشد به. وما رأيناه وشهدناه ونشهد به على أهله يوم القيامة، أن حال حكام زماننا وكثير من علمائنا ودعاتنا لا يسير بسير العقيدة السوية الواضحة والتصور الإيماني السليم، بل ولا هو خاضع لمجرد تفكير بشري يستفيد من التاريخ ويستقرئ التجارب ويطلب الدنيا بما يطلبها غيرهم من مختلف الأديان والأقوام والأعراق.
ولئن كان مصداق التصور الإيماني السليم هو الولاء الصرف لله تعالى توكلا واستعانة واستنصارا وتحيزا للمؤمنين فإن معالم هذا الولاء غاب عن تصور كثير من قادة الأمة المعاصرين حكاما وعلماء وقادة أحزاب تدعي الانتساب للمرجعية الإسلامية. وقد اعتقدوا أن البقاء في السلطة أو الوصول إليها يمر عبر الاستنصار بغير الله ومن غير المسلمين، فأخذوا يتسللون لواذا إلى مكاتب الدول الأجنبية متعاونين ومخبرين ومتسولي دعم ونصرة على بعضهم. وأعداؤهم يبتزون الحكام بمعارضيهم ويبتزون المعارضين من طلاب السلطة بالحكام، والنتيجة ما رأينا ونرى من دماء المسلمين المسفوحة في المشارق والمغارب وثرواتهم المهدورة مما فوق الأرض وما تحتها، وأعراضهم المنتهكة المستباحة في الرجال والنساء والأطفال.
لقد نسي الجميع باغتلام شهوتهم للسلطة وشِرَّة مغالبتهم على الحكم وعنفوانية استعلائهم بقوة الأجنبي واستعانتهم على باطل ما يطلبونه بباطل ما يستعينون به أن خلل العقيدة أصاب فيهم الغاية والوسيلة. ونحن في غنى عن ذكر نماذج من ركون بعض طوائف الأمة للأجنبي وولائهم له منذ