وفي سياق ما أمر به تعالى من إيثار ثواب الآخرة، وما ورد قبله مجملا من تكاليف، بين الحق سبحانه أن سبيل عباده لنيل أعلى المراتب في ذلك أن يقوموا بالقسط في أمرهم كله وقال:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّه} ولفظ:"قوامين"صيغة مبالغة تعني المبالغة في القيام بالشيء والمداومة عليه، أما لفظ:"القسط"فاشتقاقه من فعل"قسط"من باب"ضرب"، أي جار وعدل، فهو من أفعال الأضداد، يقال: قسط عليه قسوطا إذا جار، ومنه قوله تعالى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} الجن 15، وقسط في الحكم قِسْطا إذا عدل، وأقسط أيضا: عدل وأزال الجور ومنه قوله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} المائدة 42، والقسط من المصادر الموصوف بها، يوصف به الواحد والجمع، فيقال: ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط، ومنه في القرآن الكريم: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} الأنبياء 47.
لقد خاطب الله تعالى المسلمين في هذه الآية الكريمة بصفتهم الإيمانية بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} لأن الإيمان بالله اعتراف بالحق لصاحبه الحق وهو الله سبحانه، وهو أتم القسط وأعلاه، وما داموا قد استأنفوا مسيرة رشدهم في الحياة الدنيا بقمة القسط والعدل، فليكونوا أيضا {قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} مداومين على القسط في جميع أمورهم بقوة وإصرار لا تأخذهم فيه لومة لائم، وعنوان ذلك أن يقيموا شهاداتهم بالعدل لوجه الله تعالى كما أمروا، بدون أي تغيير أو تبديل أو تزوير، إذ بذلك تتضح