ولئن ادعى فراعنة في الأرض أن لهم قدرة أو قوة يلتمسها منهم ضعاف الإيمان فإن ما يرجونه منهم سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء وما هو إلا حميم وغساق، وليس للمؤمن الحق إلا أن يكل أمره للقادر القوي الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، إذا سأل سأل الله، وإذا استعان استعان بالله، قال ابن عباس: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: (يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) .
وما دام الأمر حقا وأزلا وأبدا بيد الغني الحميد، فسؤالُ الناس ما عنده بقدر هممهم علوا أو وَطاءَةً، ومطالبُهم منه بحسب قوة إيمانهم، وصدق نواياهم وصواب أعمالهم، وصفاء تصورهم للدنيا والآخرة والمآل والعاقبة، وهم في كل ذلك بين إرادتين إرادة الدنيا وإرادة الآخرة:
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا} فمن تعلقت همته في عمله جهادا أو تجارة أو عبادة بما يجنيه من منافع دنيوية مالا أو جاها أو سلطة أو ذكرا، فثواب ذلك في الدنيا قليل مُنْتَهٍ، ولماذا يختار الأخس الأقل غير الدائم {فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} فثواب الله تعالى لمن يبتغي وجهَه كثير دائم يشمل الدنيا والآخرة، في الدنيا بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} مريم 96، وقوله: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} النور 32، وفي الآخرة لهم الجنة: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} الرعد 35. وفي كل الأحوال فإن الله تعالى لا تخفى عليه من إرادات عباده خافية: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} يسمع ما تهجس به خواطرهم من نوايا ونجوى، ويبصر ما يصدر عنهم من أعمال، فيجازي كلاًّ بما يستحق من غير ظلم، وفي الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه) . وعندما توفي عبد الله بن ثابت وقالت بنته:"والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا فإنك كنت قد قضيت جهازك"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل قد أوقع أجره على قدر نيته) [[1] ]
(1) - الحديث صحيح وهو بتمامه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:(غلبنا عليك يا أبا الربيع) ، فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية) قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟، قال: (الموت) ، قالت ابنته:"والله إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا فإنك كنت قد قضيت جهازك"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل قد أوقع أجره على قدر نيته، وما تعدون الشهادة؟) ، قالوا:"القتل في سبيل الله تعالى"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله، المطعون شهيد والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد) -ا لمرأة تموت بجمع أي تموت أثناء الولادة -، وقال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:"من حبسه السلطان وهو ظالم له، فمات في محبسه ذلك فهو شهيد، ومن ضربه السلطان ظالما له فمات من ضربه ذلك فهو شهيد، وكل ميتة يموت بها المسلم فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل"