عطاؤه لا ينفد وكرمه لا يحد، والخلائق كلها لا تستغني عنه ولا تفتر عن حمده، ولذلك تبادر الملائكة منافسةً ومسارعةً، أيٌّ منهم يرفع الحمد إليه، كما ورد عن أنس بن مالك قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلقة إذ جاء رجل فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى القوم فقال: السلام عليكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته) ، فلما جلس قال:"الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى"، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف قلت؟) ، فرد على النبي صلى الله عليه وسلم كما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لقد ابتدرها عشرة أملاك كلهم حريص على أن يكتبوها، فما دروا كيف يكتبونها، فرجعوه إلى ذي العزة جل ذكره، فقال: اكتبوها كما قال عبدي) . ولذلك أيضا ما ذكرت صفته الغني إلا ذكرت معها صفته الحميد في أكثر من عشر آيات في القرآن الكريم، لأنه غني ولو لم يخلق أحدا، وحميد بدون أن يخلق أحدا.
ولئن كان الناس جميعا يسعون إلى التوفيق والفلاح في جميع أمرهم فليس لهم إلا أن يتوكلوا على ربهم الغني الحميد ويتخذوه وكيلا، يفوضون إليه الأمر كله، فيقوم بتدبيره على أحسن وجه وأرضاه قال تعالى:
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} يعتمدون عليه فيتولاهم ويتوكل بقضاء حاجاتهم، وإجابة دعوتهم، وتفريج كربهم، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} الطلاق 3، وقال: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} التوبة 51.
ثم هدد عز وجل من تسول له نفسه الشرك والكفر والتمرد والخروج عن الطاعة باستغنائه عنهم وقدرته على أن يفنيهم ويأتي بخير منهم وأتقى، فقال:
{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} وأقام الدليل على هذه القدرة في مواضع أخرى من القرآن الكريم فقال: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ} الأنعام 133، وقال: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} محمد 38، وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} إبراهيم 19/ 20.
لقد تكرر قوله تعالى أن له ما في السماوات والأرض ثلاث مرات متواليات في هاتين الآيتين المتجاورتين: مرتين في الأولى ومرة في الثانية ليذكر عباده بأنه الملجأ الوحيد لهم في كل ضائقة وعند كل محنة، وأن أرضه وسماءه ورزقه وعافيته بيده وحده، لا يملك ذلك إلا هو، ولا يسأل عنه غيره،