فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 326

{وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} وتركيب هذه الآية لغويا من شرط وجوابه، أو فعل ونتيجته، أما الشرط والفعل فهو ارتكاب الكفر في قوله تعالى: {وَإِنْ تَكْفُرُوا} وأما النتيجة وجواب الشرط فمحذوف جوازا للعلم به إيثارا للإيجاز، تقديره: وإن تكفروا فاعلَموا أن {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ، أي: إنه غني عنكم وعن عبادتكم، والكائنات كلها تعبده اضطرارا واختيارا، لا تستغني عنه تدبيرا أو تقديرا نفعا أو ضرا، حياة أو مماتا، وحقُّه لدى العقلاء أن يُطاع ولا يُعصى، وأن يُتقى عقابُه ويرجى ثوابه، قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} الزمر 7، وقال: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} الروم 26. كل ما في السماوت والأرض مفتقرون إليه سبحانه، وما التقوى التي أمروا بها إلا لصلاح أنفسهم مبدأ ومعادا، لذلك عقب تعالى بقوله:

{وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} غَنِيًّا أي: وكان الله أزلا وأبدا غنيا بذاته غِنىً تاما مطلقا من جميع الوجوه والاعتبارات، ومن كمال غناه أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ولا شريكًا في الملك ولا وليًا من الذل {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} الأنعام 101، ومن كمال غناه وسعةِ عطاياه ما يفيضه من النعيم على أوليائه في الجنة، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ومن كمال غناه أنه لو اجتمع أول الخلق وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلًا منهم ما سأله ما نقص من ملكه مثقال ذرة، وفي الحديث الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) .

{حَمِيدًا} محمودا في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، له من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها، ومن الأفعال أتمها وأفضلها وأحسنها وأحكمها، ومن التشريعات أسَدُّها وأعدلها، له الحمد استحقاقًا لعظمته وفضله وكرمه وعطائه، وله الحمد وجوبا لذاته وصفاته وأفعاله ونعمه، حمده مطلقا من لوازم ألوهيته إحقاقا، ولوازم ربوبيته استحقاقا، وقيوميته قدرةً وحكمة وحسنَ تقدير، وهو المنفرد به في الدارين، ففي الدنيا المحمودُ اللَّهُ على ما هدى وأنعم، وفي العقبى المحمود اللَّهُ على ما أثاب وعدل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت