فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 326

وبعد أن قرر الحق سبحانه ملكيته للكون لا يشركه فيها غيره ذكَّر عباده بوصيته الجامعة المانعة التي نزل بها آدم عليه السلام إلى الأرض، وبُذِلت لأتباع الرسل عبر الحقب فيما نزل إليهم من الكتب، كصحف إبراهيم وتوراة موسى وإنجيل عيسى وقرآن محمد صلى الله عليه وعليهم جميعا فقال عز وجل:

{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} ، والوصية لغةً هي التقدم للغير بأمر فيه مصلحة ومنفعة، كقوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} العنكبوت 8، وقوله: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} البقرة 132، وقد ورد الأمر بالتقوى في هذه الآية بصيغة الماضى، لأنه قُدِّم لجميع أهل الكتاب قبل البعثة النبوية أولا، ولإذكاء روح المنافسة لدى المسلمين ورفع هممهم للمسابقة إلى ما يرضي ربهم ثانيا، كما قال تعالى في الصيام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} البقرة 183.

وتقوى الله مطلقا تشمل توحيده تعالى وعبادته وإقامة دينه وسنته، وامتثال أمره واجتناب نهيه، وهي شريعة عامة لجميع الأمم غير قابلة للنسخ ولا للتبديل، أمر بها تعالى الأولين والآخرين بواسطة الأنبياء والرسل عليهم السلام، نزل بها آدم عيه السلام من الجنة إلى الأرض إذ قال له ربه بعد أن تاب عليه: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة 37/ 38، وتلقاها أبناؤه كافة بقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} الأعراف 35، وبلغها الرسل عليهم الصلاة والسلام من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} النساء 165. وفي الحديث الصحيح: عن العرباض بن سارية قال: وَعَظَنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله: كأنَّهَا موعظة مُوَدّع فأوْصِنا، قال: (أوصيكم بتقوى الله عزّ وجلّ والسمع والطاعة) .

والتقوى التي أُمِر بها الناس في هذه الآية بهذا السياق هي الإيمان التام المصحوب بالعمل، وما يقتضيه للمؤمنين من عظيم الأجر لقوله تعالى: {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} آل عمران 179، ولذلك قوبلت بالآية التي تليها وهي قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت