فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 326

السماوات والأرض {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} الرعد 15.

يوقن اليقظ بأنه كائن ضعيف من كائنات ملكوت ربه، ليس له إلا أن ينسجم مع حركة الكونِ العبْدِ فيكون عابدا، وأن يمتثل أمر مالكه وملِكه سبحانه فيكون مطيعا، ويثق بوعده ويخشى وعيده فيكون موقنا، إن آمَنَه أمِنَ ولم يغترّ، وإن خوَّفه خاف ولم يفتُر، هو وحده عز وجل المتصرف في الخلق والجزاء والأمر، قوله الحق ومنهجه للحياة هو الحق، وقد عود عباده في محكم كتابه أن يزاوج في منهجه لهم بين التربية العقدية والتربية التشريعية والعلم الإلهي، فيخفِّفَ عنهم ثقل التكاليف وصرامة الأمر والنهي بالإبحار فيما سمح لهم به من عالم غيبه، والاطلاع على ما أذن لهم به من عظيم قدرته وملكه وغناه وفضله وكلماته {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} لقمان 27.

لذلك اقتضت حكمته تعالى بعد أن أمر في الآيات السابقة بالعدل والإحسان إلى النساء واليتامى والضعفاء، ووَعَدَ الزوجين إن احتد الشقاق بينهما وتقرر الفراق بأن يغني كلا منهما بواسع فضله، أن يعقب - تثبيتا للمأمورين وتطمينا لنفوس الجزعين - بتذكيرهم بسعة ملكه واستغنائه عن غيره وقدرته على حسن إثابتهم وإبدالهم خيرا مما ضاع منهم، فيزدادوا بتدبر ذلك إيمانا وامتثالا وعملا صالحا وذلك بقوله عز وجل:

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} وحرف اللام في كلمة"الله"لام المِلك، وتعني أن كل الكون ملك لله عز وجل، لكن هذه الملكية تامة مطلقة وليست كملكية البشر، يملكه سبحانه خَلقًا وأمرا وتعبيدا وتصرفا ومصيرا. بأمره وجد الكون وبحكمته يسير وله وحده فيه التدبير والتكليف، وهو الأحق بتنظيم عبادة ما فيه ومَنْ فيه، والأقدر على مَنْهَجَةِ الحياة بما فيه مصلحة الدنيا والآخرة، لذلك توالت الرسل جيلا بعد جيل وأمة بعد أمة، غايتهم تبليغ رسالة مالك السموات والأرض إلى الناس، وتعريفهم بما يجب عليهم وما يجب لهم وما سيلقونه يوم الدين.

ولأن هذه الآية وردت معترضة بين آيتين سابقتين أمرتا بالتقوى والإحسان هما قوله تعالى: {وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} النساء 128، وقوله: {وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} النساء 129 وبين ما ذُكِر بعدها من قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} فإنها من أقوى الأدلة على وجوب تقوى الله لعظيم سلطانه وسعة ملكه ووحدانية ألوهيته وربوبيته واستحقاقه التقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت