الحقائق ويعرف الصواب من الخطأ والصلاح من الفساد ويختار كل امرئ عن بينة بين ثواب الدنيا وحده وبين ثواب الدنيا والآخرة.
{وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} إن كان الحق لكم بمقتضى الكتاب والسنة فاشهدوا به لأنفسكم واثبتوا عليه، أو تبين لكم على أنفسكم فاشهدوا به عليها، وأصلحوا أمركم بالتوبة ورد الحقوق إلى أصحابها ورفع مظالمكم عن الناس.
{أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} أو كانت الشهادة بالحق على أقرب الناس إليكم كالوالدين والأقربين بَلْهَ الأباعد وغير المسلمين فعليكم أن تؤدوها كما هي من غير تدليس، قال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} الأنعام 152، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} المائدة 8.
وسواء كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا} وهي حالات تتدخل فيها الأهواء والمصالح والأمزجة في العدالة فيرجح المرء الباطل على الحق. ومنشأ الهوى الذي تشير إليه الآية أن يكون المشهود عليه غنيًا يرجى نفعه ويخشى ضرره، فيخاف المرء أن يشهد عليه، أو فقيرا يستحق الرحمة والشفقة والستر فيخاف عليه الضياع، وفي كل الأحوال يجب أن تقيموا الشهادة بالقسط ولا تخشوا في الله لومة لائم، {فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} يتولى أمرهما بحكمته، فيرحم الفقير، ويكف أذى الغني، وليس على الشاهد إلا الشهادة بالحق كي تسلم ذمته بين يدي الله تعالى {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} فلا تخضعوا لأهوائكم وعواطفكم وهواجس نفوسكم فتحيدوا عن العدل والقسط في أداء الشهادة.
{وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا} وإن تلووا الحق فتحرفوا شهادتكم، أو تعرضوا عن أداء الشهادة فتكتموها، خوفا من المشهود عليه، أو تحيزا له ورحمة به، أو لأي اعتبار آخر {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} خبيرا بمقدار مطابقة شهادتكم للحق والقسط، وبمدى الأضرار والمظالم الناتجة عن شهادتكم بالزور، فيعاقب المذنبين ويثيب المحسنين.
لقد تضمنت هذه الآية الكريمة أشمل وأدق قاعدة للعدل عرفتها البشرية، وأنبل منهج لتصريف الأعمال الخاصة والعامة في مجال الأسرة والجماعة والدولة والعلاقات الداخلية والخارجية، وحري بها لِمَا تضمنته من أمر ونهي وتهديد ووعيد أن تبطل الحميّة الجاهلية للنفس والأهل والمصالح، والأعراق والألوان والقوميات والأحزاب والمذاهب، وأن تبعث في المسلمين روح الانتصار للحقّ والدفاع عنه، وذلك من خير ما يبني به المرء أمته، ويقدمه لآخرته.