فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 326

خلافاتهما وصيانة أسرتهما بقوله عز وجل: {وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} . وقد روي في سبب نزول هذه الآية أن أبا السائب كانت له امرأةٌ قد كبِرَت وله منها أولاد فأراد أن يطلقَها ويتزوجَ غيرَها فقالت:"لا تُطلِّقَني ودعني على أولادي فاقسِمْ لي من كل شهرين وإن شئت فلا تقسِمْ لي"، فقال:"إن كان يصلُح ذلك فهو أحبُّ إلي"، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فنزلت.

ولما ذكر الحق سبحانه أن الصبر على الحياة الزوجية أحيانا قد يكون عسيرا وإن كانت الزوجة واحدة، وأن الوقوف على الحق والتقوى فضلًا عن الإحسان قد يكون متعسرا، أتبعه بحالة أخرى أشد عسرا من ذلك، هي حالة تعدد الزوجات لدى الرجل فقال:

{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} وهي الحالة التي قد تنشأ عن التعدد المباح المقيدةٍ بالعدل، نزل بها قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} . لذلك نبه الحق سبحانه - وهو العالم بخبايا النفوس وضعف الإنسان عن التحكم فيها- إلى أن العدل القلبي بين النساء في حالة التعدد لا سبيل له ولو حرص المرء على القيام به، لأن القلوب بيده عز وجل يصرفها كيف يشاء أولا، ولأن الأصل في الزواج الإفراد ثانيا، ولأن التعدد مجرد علاج لحالات خاصة ثالثا، وكما يكون الدواء مفيدا تكون له أحيانا مضاعفات أخرى ضارة.

من هذه المضاعفات في الحياة الزوجية أن لا يعدل الزوج بين نسائه، فيهجر بعضهن ويلازم إحداهن لرغبة فيها أو محبة لها، لذلك نهى الله تعالى عن هذا التصرف وعده ظلما ينبغي الإقلاع عنه والتوبة منه وقال:

{فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} أي: فلا تعرضوا عن أي واحدة منهن إعراضا تاما، بالبخل عليهن في النفقة أو الواجبات الزوجية، فتدعوها كالمعلقة لا هي إلى الأرض ولا هي إلى السماء، لا مطلقة ولا ذات زوج.

{وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} وإن تصلحوا ما أفسدتم من حياتكم الزوجية بظلم بعض أزواجكم وهجرهن وهضم حقوقهن وتتقوا الله فيهن، فإن الله يغفر لكم ويرحمكم، قال عز وجل: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} الرعد 6.

فإن تعذر الإصلاح واستحال العدل فما مُقامٌ على ظلمٍ في حياةٍ ولا على هجر في علاقة، وكان فراقهما بالطلاق خيرا لهما {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} يغني الله من فضله كلا منهما عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت