فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 326

ثم يعقب الحق تعالى بالترغيب في الصلح والحث عليه بقوله: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} خير من الطلاق وتشتيت الأسرة وتكريس العداوة بين عائلتي الزوج والزوجة، وما ينشأ عن ذلك من تأثير سيء على تربية الأبناء ومستقبلهم.

ثم في لمسة حانية يلفت الحق سبحانه الطرفين إلى حالة نفسية قد تعكر صفو حياتهما بقوله عز وجل:

{وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} والشح هو الحالة النفسية التي تحمل على البخل، وقد جبلت النفوس معرَّضةً لحضوره في مشاعرها، ولكنها أمرت في آيتين أخريين بتجنبه واتقائه طلبا للفلاح في الدنيا والآخرة بقوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} التغابن 16، وقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الحشر 9.

والشح مطلقا كما يكون في الأموال، يكون في العواطف والمشاعر، وفي محبة الخير للناس ومشاركتهم وجدانيا في أفراحهم وأحزانهم، ومصدره في ذلك كله نضوب ينابيع الرحمة في القلوب، نتيجة عوامل تربوية أو نفسية أو بيئية، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجا فذا في الكرم بالأموال والعواطف الطيبة والمشاعر الإنسانية التي يغلبه فيها البكاء أحيانا، كما ورد في عشرات من مواقفه المحفوظة في كتب السيرة والسنن، من ذلك مثلا: ما روي عن عمر من أن امرأة سألته:"بأبي أنت يا رسول الله، أيهما أرحم؟ الله بعبده أو الوالدة بولدها؟ فقال لها: (بل الله أرحم بعبده من الوالدة بولدها) ، قالت: (فإن الأم لا تلقي بولدها في النار) ، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اخضلت لحيته بالدموع، ثم قال: (إن الله لا يعذب من عباده إلا المارد الشارد الذي يشرد عن ربه، يأبى أن يقول لا إله إلا الله) . ومن ذلك أن أعرابيا قال له:"إنكم تُقبِّلون الصبيان وما نُقبِّلهم"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك) ."

ولعل إشارته تعالى إلى الشح في معرض الحديث عن الصلح بين الزوجين تعريض بما قد يكون في حياتهما الزوجية من بخلٍ في الإنفاق، أو بخلٍ في البذل والتكارم، تسامحا في المعاملات المالية أو تبادلا للهدايا، أو تغافرا للأخطاء العابرة من أجل إنقاذ حياتها الزوجية والمحافظة على استقرارها، أو برودةٍ في العلاقات العاطفية بسبب جفاء طبع أحدهما أو قسوة ظروف يمران بها، وعلاج ذلك بمزيد من الكرم في إعطاء الحقوق وإفشاء العوطف والمشاعر، ومزيد من التطاوع والصبر والمعاشرة بالمعروف، قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} النساء 19. ولذلك عقب تعالى آمرا كلا من الزوجين بالإحسان والتقوى في معالجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت