{اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} تمنعونهن مما فرض الله لهن من تركة آبائهن، أو مما أمر به لهن من صداق يناسب مثيلاتهن.
{وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} ولفظ"رغب"من أفعال الأضداد يُعدَّى بحرف"في"وحرف"عن"، فتقول: رغب فيه رغبة ورَغَبًا إذا أحبه وأراده، ورغب عنه ورغب بنفسه عنه إذا لم يرده وزهد فيه، قال صلى الله عليه وسلم: (من رغب عن سنتي فليس مني) أي من زهد فيها ولم يتبعها. إلا أن فعل:"رغب"في هذه الآية ورد محذوفَ حرفِ التعدية الذي يميز محبة نكاحهن من كراهيته والزهد فيه، وذلك لأن الآية تقصد المعنيين معا، وتشرع للأمرين بأسلوب بالغ الإيجاز والإعجاز، فإن كانت المرأة جميلة كان المعنى: ترغبون فيها، وإن كانت المرأة ذميمة وزهد فيها كان المعنى: ترغبون عنها. وهو ما فهمه عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل يسأله عن أمر يتيمة تحت وصايته، فقال عمر:"إن كانت جميلة فدعها تأخذ خيرًا منك، وإن كانت ذميمة فخذها زوجة وليكن مالها شفيعًا لذمامتها".
والآية توبيخ صريح على ما كان يرتكبه العرب من نكاح اليتيمات المرغوب فيهن لجمالهم أو مالهن، وحرمانهن من ميراثهن وحقهن في اختيار الزوج المناسب وتقدير ما يُرضِيهِنَّ من صداق، ومن أكل مال الذميمات ومنعهن من الزواج حتى يتوفاهن الموت، وتحريم قاطع لهذه الأفعال الظالمة ولكل ظلم ينال مستضعفات النساء في كل زمان ومكان.
ثم أضاف الحق تعالى استكمالا للفتوى فيما سئل عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال:
{وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} أي: الأيتام ذكورا وإناثا قبل أن يبلغوا سن الرشد، وهم الصنف المستضعف الثاني الذي عالجت الآية الكريمة مظلمته، وكان عرب الجاهلية أيضا يأكلون أموال محاجيرهم من الصغار والصغيرات، والمراد بقوله تعالى: {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} هو ما أمر به تعالى لهم في أول السورة بقوله: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} النساء 2.
ثم أجمل تعالى الوصية بالعدل في أمور جميع اليتامي ذكورا وإناثا، فقراء أو أغنياء فقال:
{وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} والقسط هو العدل، أي: يفتيكم بأن تقوموا برعاية أموال اليتامى وحفظ حقوقهم وحسن تربيتهم بالعدل، وهو ما بينته أيضا آيات أخرى في أول سورة النساء وفي غيرها من السور كقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} النساء 6، وقوله: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} الأنعام 152، وقوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ