نكاحهن إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن من النساء". كما أن ابن أبي حاتم روى عن السّدّي أنه كان لجابر بنت عم ذميمة ولها مال ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها، ولا يُنكِحها، خشية أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك فنزلت الآية."
وقد حصل هذا الاستفتاء من المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن نزل قوله تعالى في الآية الثالثة من سورة النساء وما بعدها: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} ، فكان الجواب قوله تعالى:
{قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} قل لهم يا محمد: إن الله يفتيكم فيما غاب عنكم من أمر النساء صغيرات كنَّ أو كبيرات، زوجات أو غير زوجات، ويجيبكم عما سألتم عنه من أحوالهن، ويبين لكم طرائق التعامل السويّ معهن، فاعملوا بما شرعه لكم من واجب القيام بحقوقهن وترك ظلمهن، وهذا القول منه عز وجل وعد قوي ناجز باستيفاء الإجابة عما سألوا، لأنه بلاغ مباشر من الله تعالى يشمل جميع ما شرع من الأمر والنهي في حق النساء. ثم نبه السائلين إلى أمر ينبغي أن لا ينسوه بقوله عز وجل:
{وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} أي: ويفتيكم كتاب الله تعالى فيما سلف من حالات للنساء سألتم عنها من قبل ونزل حكمها فيه آياتٍ بينات تتلونها، فارجعوا إليها تُبَيِّنْ لكم. وإحالة الفتوى إلى ما يتلى في الكتاب تعبير مجازي عن دعوتهم إلى تدبر الآيات السابقة في أول سورة النساء لمعرفة جواب بعض ما سألوا عنه، كقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} النساء 3/ 4، وقوله عز وجل: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ ... } الآية، النساء 15، وآيات المواريث وغيرها.
ومضمون ما تفتيكم فيه هذه الآيات المتلوة بعد تحريم هضم حقوق النساء عامة، هو ظلم اليتيمات منهن بصفة خاصة حين يبلغن مبلغ الزواج، تحذركم منه وتوصيكم بتجنبه بقوله عز وجل: {فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} وقد كان العربي في الجاهلية إذا احتضن يتيمة بولاية أو وصية، وكانت جميلة وغنية تزوجها وأكل مالها ولم يوفها صداقها، وإن كانت ذميمة منعها من الزواج لتخدمه حتى تموت فيرثها، ولذلك قال تعالى بعدها: