فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 326

ذلك كان حال الجيل الأول من المسلمين، وتربيتٌهم تُعاد صياغتُها على ضوء ما ينزل إليهم من الكتاب والحكمة، بعد أن انجلى بنور الإيمان عن فطرتهم ما شابها من غشاوة وعصبية واعتزاز بالقوة والجاه والمال والولد، وأخذوا يقيسون تصرفاتهم بمنظومة القيم الجديدة التي صاغتها العقيدة وأودعتها عقولهم وأفئدتهم، فينكرون ما عارضها مما كانوا عليه، ويراجعون نبيهم صلى الله عليه وسلم فيما أشكل عليهم منها، وكان القرآن الكريم يوثِّق هذه المراجعات ويوجهها إلى ما تقتضيه الفطرة من العدل والمرحمة والصواب، وفي ذلك سألوه عن الأهلة، وعن الإنفاق، وعن الخمر والميسر، وعما أحل لهم من الطيبات، وعن القتال في الشهر الحرام، وعن الساعة أيان مرساها ...

وكأنما رَهُفت مشاعر الفطرة السوية فيهم وقد تكرر في سورة النساء التحذير من الظلم والاستعلاءِ بالباطل واستضعافِ النساء واليتامى من الذكور والإناث، وافتقدوا الثقة بما ألفوه في جاهليتهم من ذلك، فلجؤوا لاستجلاء الحق والصواب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل بذلك الوحي الكريم مخبرا ومرشدا وآمرا بقوله تعالى:

{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} وأصل لفظ"يستفتونك"من الفَتَاء وهو الشباب، ومنه الفَتوى والفُتيا وهي جواب ما أشكل من الأحكام، بتبيينها وتقويتها أو تجديدها وتحديثها، يقال استفتيت الفقيه في أمر استعصى عليّ فأفتاني، أي سألته عن قضية لم يتضح لي حكم الله فيها فبينه لي، أو استحدث لي بالاستنباط المنضبط حكما جديدا فيها. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لوابصة بن معبد رضي الله عنه: (يا وابصة، استفتِ قلبك، والبر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك) . أي وإن أباحوه لك أو جعلوا لك فيه رخصة.

والتعبير في قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} يشي بأن جماعة من الصحابة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحكام متعلقة بحقوق النساء مطلقا وعن كيفية أدائها لهن، إلا أن البخاري روى في سبب نزول الآية أن عائشة رضي الله عنها قالت:"هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليُّها ووارثها، قد شرِكَتْه في مالها، حتى في العَذق [[1] ]فيرغب عن أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلا فيشرَكه في مالها، فيعضُلها [[2] ]فنزلت". وسأل عروة بن الزبير عائشة عن هذه الآية فقالت:"يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن ينتقص صداقها، فنهوا عن"

(1) - العذق: النخلة بحملها.

(2) - يعضلها: يمنعها عن الزواج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت