فهرس الكتاب

الصفحة 260 من 326

وَأَحِبَّاؤُهُ المائدة 18، أو مسلما ينتظر أن يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا، لما يظنه فهما سليما لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} آل عمران 110، إلا أن الله تعالى قطع الطريق على هذه الأفهام الخاطئة والأماني الكاذبة، بما عقب به على مصير الكفار وعاقبة المؤمنين الصالحين، وقرر به قاعدة العدالة الكبرى في الإسلام و ميزان الثواب والعقاب عند الحساب فقال:

{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} والأماني جمع أمنية، وهي ما يتمناه المرء ويطمح إليه من متع بدون رصيد عمل، أو ما يطلق عليه الأماني الكاذبة وأحلام اليقظة، والخطاب في هذه الآية موجه إلى المسلمين وإلى أهل الكتاب يهودا ونصارى كي ينبذوا تواكلهم واعتمادهم على ما يظنونه نجاة بغير إيمان صحيح وعمل سليم، لأن حساب الآخرة يرجع إلى ميزان لا يحابي ولا يجامل ولا يتحامل، ميزان لا يتأثر بالآماني والآمال، يتساوى فيه الناس جميعا، من عمل سوءا حوسب وجوزي به، ولم يجد من غير الله وليا يحميه أو ينصره أو يدفع عنه. على أن للمؤمن الصادق مطهرات من مرض أو محنة، تناله أحيانا فتنظفه وتزيح عن كاهله تبعات ما أذنب وهموم ما ارتكب، وقد روي في ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} ، وكل شيء عملناه جُزِينا به؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست يصيبك اللأواء؟) [[1] ]قال: بلى، قال: (هو ما تجزون به) .

{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} ومن عمل من الذكور والإناث بما أُمر به من الأعمال الصالحة قياما بالواجبات واجتنابا للمنهيات {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} وهو مستكمل لشرائط الإيمان كما عرفه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره وقوله:(من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله و أن عيسى عبده و رسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم و روح منه وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء) .

{فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} والنقير نُقْرَةٌ في ظهر النواة يضرب بها المثل في صغرها، أي أنهم يدخلون الجنة لا يضيع من أجر عملهم شيء مهما كان صغيرا.

(1) - اللأواء: الشدة والضيق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت