فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 326

{يَعِدُهُمْ} بما لا يستطيع الوفاء به ولا يقدر على تحقيقه {وَيُمَنِّيهِمْ} بما ليس بيده مالا أو جاها أو ثروة أو ذرية، وليس لهم من ذلك مهما غالوا في طلب الدنيا وأطاعوه فيها إلا ما كتبه الله لهم، قال صلى الله عليه وسلم: (لو أن ابن آدم أعطي واديا من ذهب أحب إليه ثانيا، ولو أعطي ثانيا أحب إليه ثالثا، ولا يسد جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) وقال: (إن نفسا لا تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنَّكم استبطاءُ الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإن الله لا يُدْرَك ما عنده إلا بطاعته) .

{وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} وكل ما يعدهم به الشيطان مجرد تغرير بهم لاستدراجهم إلى المعاصي، لأن مقاليد السماء والأرض بيد الله تعالى هو المعطي المانع الضار النافع سبحانه وتعالى عما يشركون.

{أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أولئك الذين أغواهم الشيطان بالأماني الكاذبة وأطاعوا أوامره الضالة المضلة مأواهم المعد لهم هو جهنم {وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} والمحيص ظرف للمكان والزمان، من فعل حاص يحيص أي راغ ونفر وفرَّ، أي لن يجدوا مهربا ولا منجاة ولا مفرا من جهنم.

ثم يعقد الحق سبحانه مقارنة بين مصير أولياء الشيطان وعاقبة أمرهم في الجحيم، وبين مصير أولياء الرحمن وعاقبة أمرهم في النعيم بقوله عز وجل:

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح يدخلهم ربهم ما وعدهم به وأعده لهم من جنات النعيم خالدين فيها أبدا، {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا} كان ذلك وعدا من الله تعالى لهم لا يخلفه {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} والقيل هو القول، أي لا قول أصدق من قوله تعالى ولا أوفى من وفائه {قَوْلُهُ الْحَقُّ} الأنعام 73، فأين من ذلك أكاذيب الشيطان على أوليائه وتغريره بمن أطاعه واتبعه؟، قال عز وجل: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} الرعد 35.

ولعل من عرب الجاهلية من اغتروا بما زينه لهم الشيطان من أموال وأولاد وحياة دنيوية رخية: {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} سبأ 35، أو قالوا: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} المؤمنون 37؛ ولعل يهوديا أو نصرانيا ظن حقا ما يدعيه الأحبار والرهبان من أنهم أبناء الله وأحباؤه - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- وأنهم يعاملون بين يدي الله معاملة خاصة كما حكى ذلك عنهم الحق سبحانه بقوله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت